النور


 


كل هذه السنين يا صاحبى
وكأننا هنا عن طريق الخطأ
نحلم بأماكن ولو وجدت نحن لا ننفع لها يا صاحبى
 مضطريين أن نخالط التماثيل
 أن نبادلهم حديثهم أن نندس وسطهم بأطراف مجمدة
 ننظر ولا نرى
كيف يا صاحبى كل هذه السموم
وما زلنا نخرج سوى حشرجة


لكل شئ ثمن لابد ان يسدد يوما ما !

اعلم ان الغباء يسيطر علي الجميع, العفن و الدنس يملانا,غرزتنا الحيوانية تتحكم بنا, نركض وراء الشهوات و الملذات,.
حذرنا السابقين من هذا الامر, لكن لا نستمع ولا نري ...كل شئ يخبرنا بان ما نفعله سيصل بنا الي الهاوية.
ما الحكمة المتواجد في خلق النار و الجنة ؟ لماذا هناك شر و خير ؟
 الاحداث مفككه بعض الشئ, النهاية تسير ببطي شديد,  الجحيم يفتح ابوابه يتجهز لنا,.

- ليلة السابع عشر من شهر  تشرين الثاني عام 2027

كانت الساعة تشير الي السابعة, كانت تغيب عنا اخر خيوط الشمس, و بدا الليل يزحف الينا, رويدا رويدا, لم نعتقد ان بين ليلة و ضحاها ستنقلب حياتنا هكذا, عندما اختفت الشمس تماماً, احتل مريدين النور ميدان التحرير و وقف هو يتوسطهم, لا ندري متي احتلوا الميدان, و كيف ظهروا بهذه الكثافة.
كنت في بداية اليوم اتحدث مع صحفي زميل لي عن النور كيف ظهر بهذه القوة, و كيف استحوذ علي عقول المصريين,  ثم لم تمر اكثر من ساعة فاوجدت نفسي انظر الشاشة و اتسأل هل سيمر هذا النهار علينا ام لا,  تصلبت اجسام اصدقائى من هول ما شاهدوا علي الشاشة, لم اتصلب مثلهم, لكني كنت اعرف ان هذا المشهد سنراه قريباً, لا يوجد شئ يذهب الي العدم, لابد من ظهور اخر لهُ.
شلت الحركه المرورية في معظم مناطق القاهره,  ثم بدا الزحف و السير الي النور, كانت الوجه التي تسير شبه منومه, كان هناك شئ اقوي منها يسوقها الي التحرير حيث يقف النور بعبائته السودا, يتمتم بكلماته الغريبه.
يتوعد بالحساب للفاسدين و بالرحمه للمظلومين, كان النور يشبه كثيرا تلك القصص التي تحكي عن المخلص, و كانه بعث الينا ليعيد الاتزان او يبشرنا بالعذاب,بالطبع  البعض وصفه بالجنون و التصق هذا الوصف بيه في بداية ظهورة في الصعيد, لم يكن يمتلك كل هذا التايد كان انصاره لا يتعدي عددهم المئة, لكن الدولة لا تكف عن ارتكاب الحمقات, كانت منظارته مع الوفد الازهري  الذي جاء لاثبات انه مجرد دجال بعد ان شيع عنه حدوث الكرمات.
جاء الوفد و حاولوا الحديث معه, بداء الفقراء يتدفعون الي مقر المناظرة, و ظل الازهرين يتحدثون عن الدجل و ان الناس بدوا يسرون نحو الخرافات و ان الله سينزل علينا العذاب لكفرنا هذا, كانت المناظره تسير في اتجاه واحد, النور جالس في هدوء لا يفعل شئ سوى التمتمه بكلماته الغريبه, توقفت الكلمات حين دوي في المكان صرخة كانت لاحد الفقراء,  يلفظ اخر انفاسه, تشاهد عليه الازهرين, و لم يتحركوا, فوقف و تحرك النور باتجاهه فاظلت العيون تحدق فيه ولا احد يعرف ماذا سيفعل؟
 تقدم الي الرجل قليلا, ثم وقف امام راسه ثم جلس و ظل يردد كلمات غير مسموعه, فشهق الرجل و افاق.
لم يصدق احد ما حدث, حتي بدا الرجل يحكي عن النار و العالم الاخر, لقد ذهب هذا الرجل الي العالم الاخر و استطاع النور ان يعيده بطريقة ما, و من هذه اللحظة بدا النور يكون مريدينه  و ظل يتزايد عدادهم كلما خطي في مدينه, كان الناس يلتصقون بيه, يبكون حوله, يصيحون باعلي اصواتهم طالبين الرحمة, كلما تحدث معهم النور, كانت حالة غريبه من الجنون تسير و تنتشر في مصر.
كنت اقف صامت ادخن و انظر بتمعن الي انفعالات اصدقائى و الي عيونهم التي جحضت من الخوف, انها القيامه ومريدين النور غائبين عن الوعي, كانوا هائمين في ملكوت اخر, صاح رئيس التحرير في خوف و ظل يتسال لماذا عاود انصار النور في الظهور من جديد, كانت جميع التقرير الرسميه و الصحفيه تفيد بان جماعه النور قد اختفت, لم نعرف اين ذهبت ؟ لكن الجميع شعر بالسعاده لاختفائهم, لماذا عادت بهذا الكم من البشر, و لماذا جاء الي القاهرة ؟ و كيف لم تتصدي لهم الشرطه !
انتظرت حتي جاء منتصف الليل, و نزلت الي الشارع لاري ما يحدث بام عيني, بعد ان توقفت القنوات عن البث, لقد فقدنا الاتصالات تمام, ربما هي النهاية و سنعود الي عصور ما قبل التكنولوجيا,لم اكن اهتم بلامر كاصحفي بال اهتممت بالامر لانه ببساطه يهدد امني كمواطن, و كمواطن رؤيتي تتوافق مع رؤية الدولة في ان مصلحتي دوما تاتي اولا.
نزلت من الجريده فاوجدت الشوارع هادئه و لا يوجد بها احد رغم الزحام الخانق بالميدان, كانت الشوارع المحيطه بالميدان هي ايضا خاليه تمام, لقد جاء كل مريدين النور دفعه واحده,سيرت قليلا في شارع القصر العيني ثم اخذت في التشعب في الشوارع الخلفيه لمبني مجلس الشعب, حتي لا احتك باحد.
كان النور الخالص كما يسمي يقف في منتصف ميدان التحرير, يردد ما اعتاد قوله عن النهاية, و لكنه كان يتحدث و في صوته اثر لهزمة ما و ظل يكرر " النور قادم, ايها الناس تبراو من رجسكم, لقد حان التطهر, الصوت يدوي و يصرخ لكم, يتوسل اليكم لكن طمعكم جعلكم اصماء, ايها الناس انها النهاية التي تخشونها جميعا, حان وقت كنس العفن ! "
ظل يرددها و ظل اتباعه يصحون بها و يلتفون و يطفون حوله, كان يرتدي عبائته سودا المعتادة, لا يظهر منه الا لحيته البيضاء و وجهه شديد السواد و ظلت امارات الفزع و الرعب  تغزو وجه اكثر و اكثر كلما ذاد الناس من حوله.
كنت متيقن من انه عرف شئ و راي اكثر مما يجب ان يري انسان ليستمر بالاحتفاظ بعلقه, كنت اعرف هذا, كنت اعرف ان هناك حقائق لا يجب ان نقترب منها, رايت الكثير في عملي في قسم الاحداث, كنت اعرف ان هناك قاعده بسيطه تنسي كثيراً هذه الايام " لكل شئ ثمن لابد ان يسدد " الجميع ينسي و غيرهم من يسددون اثمان لاشياء هم لم يقترفوها.
اتذكر منظر ذلك الصبي المعلق في المشنقه التي اعدها ولده له, كانت ارجله تتدلي و جسده النحيف يتارجع يمينا و يساراً, كانت رائحه العفن تملا الشقه, لابد انه ظل علي هذه الحاله لاسابيععلي الاقل, اعرف جيدا مراحل التعفن في البداية يظهر علي جلده التفسخ البسيط, ثم تنتشر رائحة خفيفة لا يشعر بها, لكنها تجذب الحشرات، وخاصة إناث الذباب التي تسرع لتضع بيوضها الصغيرة، لتنمو بعد ذلك وتتحول إلى يرقات ثم إلى ديدان و هكذا نتحلل تلتهمنا الديدان, نتواجد في ادني الهرم الغذائي, فاجسدنا طعام للديدان !
عرفت يومها انه ظل معلق في المشنقه لمده شهر و الاب ظل يذهب الي العمل و يمارس حياته الطبيعيه حتي انتشرت الرائحة, اعترف بالقتل و كان هادي الاعصاب, كنت قراءت عن حادثه ممثله في رواية عطارد, لكني لم اظن ان الامر ممكن, لكنه في التحقيقات كان يتحدث مثل النور الخالص " حان وقت دفع الثمن, قتلته لانه لم يقترف شئ, القيامه قادمه" تم احالته لمصحه عقلية و اغلقت القضية,  ثم ظلت تلك الحوادث تتكرر, بصور مختلفة لكن الجميع يجمع علي شئ واحد, ان النهاية قادمه لا محال, ثم يختمون كلامهم انهم قد عرفوا الحقيقه, و النور الخالص قادم, ثم ظهر النور بعدها بشهور قليلة.
ظلتمسيرة النور في جميع محافظات مصر ثم بدا بالاتجاه نحو القاهره, حتي وصل الي الفيوم ثم اختفي, و اختفت الحشود, اكثر من ربع سكان مصر اختفوا و لم يعلم اي شئ عنهم, قيل انهم صعدوا الي السماء,  وشاهدت تلك الفيديوهات التي يقسم اصحابهم انهم شاهدوا النور و مريدينه يصعدون الي السماء, و هناك من قال انهم هبطوا الي باطن الارض, لكن لا يوجد اثر لاي شئ, لقد اختفوا فقط.
لم يصدر بيان او حتي تعقيب, حتي كبار رجال الدولة لم يعرفوا ماذا حدث ,اين النور و المُريدُين؟ استمرت الدولة تتكتم و بالطبع منع اي حديث عن الامر و اجبر الناس انفسهم علي النسيان و ظل النور و المرودين في حالة اختفاء, حتي ظهروا اليوم, و بالطبع لا احد يعرف من اين جاوا و اين كانوا يختفوا تلك الشهور.
ظللت اتقدم نحوُ اكثر و اكثر, وجدته يقف في المنتصف و بعض الناس يقفون في بلاها بدون اي حراك او فعل, روؤسهم موجها الي السماء الخاليه من اي شئ, حتي انهم لا يتمتمون مثل الجميع, بل صامين و وجههم موجهه بشكل كامل للسماء الخاليه من النجوم و القمر, ثم بداء البعض بضرب انفسهم بما تطوله ايديهم, و بداءت صارخاتهم تتعالي اكثر و اكثر, و باقي المريدين يقفون في صمت و هناك من يتمتم ظلت المجموعه القريبه من النور تضرب انفسها حتي تسقطت و لم يبقي من احد, فاتقدمت مجموعه اخري و فعلت نفس الفعل.
ظلوا يوجهون لانفسهم الضربات حتي اطلقت الطلقه الاولي, عبرت بجانب راسي, لم اظن انه يمكن ان اشاهد طلقه بهذا القرب مني, نظرت اليها و هي تخترق راس احد المريدين بجانبي, ثم بدا اطلاق الرصاصات, كان هناك وابل من الرصاصات يطلق, تساقط الكثير من حولي, فاوضعت جسدي اسفل الجثث, كانت تنزف الجثث من كل مكان.
شعرت بالدم الزج الساخن و هو يتدفق من اجساد الموتي , ظللت مختبي في مكاني حتي اشرقت الشمس فا توقف اطلاق الرصاص, لم اعرف ماذا يحدث فوق, فقد تزايد عدد الجثث حتي لم استطيع النظر, و فضلت عدم التحرك حتي لا ينكشف امري.
عندما رفعت راسي لاول مرة منذ الضرب, لم اجد احد كان  الجميع قد اختفي .
نظرت الي الساعه فاوجدتها تشير الي السادسه لقد انقضي الليل و بدا لان يوم جديد, كانت ملابسي غارقه في الدماء, سرت قليلا حتي جدار الجامعه الامريكيه, ثم اخذت طريقي  في شارع محمد محمود و وصلت السير حتي دلفت الي  شارع جانبي و منه سيرت الي الجريده, كانت الشوارع خاليه من الناس, اصبح وسط البلد اشبه بمدينه مهجورة, ظللت اسير  و اسير  و الدماء تتساقط من ملابسي, كنت اشعر انني سوف اشهد القيامة عما قريب.
كانت المباني اشكلها غريبه, كانت الدماء تلخطها بشكل غريب, تلك اللوحة التي رسمتها المباني و الجثث المرماه امامي, تذكرت لوحة الجحيم.
فتشت الجريده باحثا عن ملابس, فاوجدت ملابس عامل النظافه فابدلت ملابسي علي الفور, القيت بجسدي  علي الارض لاستريح مما عشته و رئيته في يوم واحد نظرت الي المَرِيَّةُ و جدت ان الشعرايات البيضاء اصبحت تغزو شعري و ان التجاعيد زحفت الي وجهي, لقد كبرت نحو عشر سنوات, وجهي يبدو عليه الفزع و الهلع.
حاولت التفكير في حل او في اي شئ فاوجدت ان راسي فارغه تمام من الافكار , هناك صفحه بيضاء بداخل ذاكرتي, ثم شعرت بصدع غريب ثم وجدتني اركض في اتجاه المقطم و انا الهث ولا استطيع التوقف ولا اعرف لماذا افعل هذا ؟
هناك ارادة اقوي مني تسقني كاسيق الجزار للابل للنحرها, لابد انه يوم النحر, كانت الشوارع فارغه من الجميع, القاهره اصبحت مدينه فارغه, حتي الحيوانات اختفت.
ظللت اركض حتي وصلت الي المقطم كانت هناك فجوة بداخل الهضبه تسع الجميع بداخلها, نظرت اليها فاوجدت ان الجميع يقف علي حفتها و يلقون بعضهم البعض للداخل, و كلما سقط احدهم بداخلها تتعالي الصرخات و البكاء يسمع و الانين و اصوات من يعذبون تتعالي, و النور يقف في منتصف الحشد يصيح بصوت يملائه الخوف بانها ساعه دفع الاثمان لما فعلناه.
كنت اعرف الحقيقه التي تخبرنا بانه لا يوجد ما هو مجاني, و لكني لم استيطع ان اتخيل لحظة التسديد, لكني كنت اعرف هذه اللحظة رايتها في عيون الصبي الذي شنق, رايتها في بلاهة ابها و في اعترافاته, رايتها في النور و الجثث التي استلقيت بجانبها, لقد هربوا بالرصاصات من تلك اللحظة, اما نحن من ظلوا احياء كنا الاغبياء الوحيدين الذي تشبثوا بالعذاب و ظننا ان النار  هي الجنة.
كنت اعرف الحقيقة رايت ما راه النور و علمت ما علمه لكنه اختار ان يتحدث ان يخبر الجميع بان الساعه قد حانت اما انا فالتزمت الصمت و انغمست معهم في النسيان و العفن, و الان لم اعد سوي احدهم و ليس من حقي الا الصمت و الانزلاق معهم في انتظار تسديد الدين.



Comments

Popular Posts