كالبكاء..
نظرتُ إلى محفظتي ثم أغلقتها سريعًا...
لماذا ذهبتُ إلى مقابلة العمل اليوم؟ كان السؤال يخطر في بالي. لقد مضى أكثر من شهرين وأنا عاطل، أستيقظ لأظلّ أسير السرير بلا هدف. أخبرني صديقٌ بأنني أمرّ بطورٍ من أطوار الاكتئاب، لكنني أعتقد أنني فقط أحياء كالجميع.
كانت مخططاتي في الجامعة بسيطة: التخرّج، العمل، الزواج، أمنياتي الثلاث. أمّا الآن...
دقّت الساعة الواحدة، كان لا بدّ لي الآن من ارتداء ملابسي. لقد أعددتُ لهذا اللقاء كلّ شيء: ترتيب الجمل، واختيار الملابس المناسبة: القميص الأبيض والبنطلون الأسود. حفظتُ بعض الجمل التي أخبرني بها صديقي:
-
لماذا تركت العمل؟
-
لماذا عليه القبول بي؟
-
لماذا أرى نفسي إضافة للشركة؟
حفظتُ الإجابة النموذجية التي تجعلني أقنع من يسألني أنّني أهلٌ للعمل لديه!!
كان الجوّ حارًا والحرارة ترتفع أكثر فأكثر. نزلتُ من شقتي بعد أن تأكّدتُ أكثر من مرة أنّني أطفأتُ الغاز وكذلك جميع الأنوار، وتركتُ لقطّتي الطعام والماء، وأنّني لم أترك أيّ حنفية ماء تعمل.
نزلتُ من شقتي وعبرتُ أكثر من شارع جانبي. أحبّ الجيزة لهذا السبب؛ شوارع هادئة ومشاة قليلون، كثيرًا ما كنتُ أشعر بأنني أعيش لحظات نهاية العالم مع هذا السكون.
سرتُ قليلًا حتى وصلتُ إلى شارع الكورنيش، وعندها أخذتُ مواصلة لأصل إلى المعادي. أحبّ المعادي بشوارعها الهادئة وأشجارها المتشابكة. وصلتُ إلى ميدان النادي، وعندها نزلتُ وسرتُ قليلًا على مقربة من دجلة.
كانت الشركة تعمل في مجال المقاولات وتريد تعيين “سيلز” جديد بخبرات كبيرة وراتب صغير وعمولة كبيرة. كانت الشركة تأخذ عمارة كاملة.
لا أعرف السبب، لكن دومًا ما كان أقلّ الناس شأنًا في الشركات هم الأكثر تظاهرًا بالنفوذ. لذا لم أعر الحارس أيَّ انتباه، رغم تعامله معي بفظاظة وكأنني جئتُ لأخذ مكانه. لم أهتمّ مطلقًا به.
أنا لا أشغل بالي بأيّ شيء: لا بالناس ولا الحياة ولا الأحداث. سنعيش مرةً واحدة، هل أضيعها في الاهتمام بالآخرين؟! ربما هو دربٌ من الجنون أننا نظلّ أسرى فضولنا في الحكم على الناس بدلًا من الاهتمام بشؤوننا الخاصة. لذلك حين سنحت الفرصة لي لترك عملي تركتُه على الفور. كنتُ أشعر بالعبودية هناك؛ ضغطٌ كبير بلا توقف. كان الهواء ثقيلًا لا أستطيع تنفّسه، حتى الجدران البيضاء بدون أي خدوش كانت تشعرني أننا مرضى وأننا نحيا في مصحة نفسية. لذا تركته بدون امتلاك مصدر دخل آخر، فقط مدّخراتي التي حافظت عليها من العمل هي ما جعلتني أستكمل الأيام الماضية بهدوء.
أنهيتُ مقابلتي على ما يُرام. لم يأخذ الأمر أكثر من ساعتين. الانتظار هو اللعنة. أعرف أننا لا نحبّ الانتظار كبشر، نفعل أيَّ شيء لقتل ملل الانتظار، لكن هل هي لعبتهم أن يجعلونا ننتظر؟ أن يروا ماذا سنفعل حين نملّ ولا نملك شيئًا سوى الانتظار؟ خرجت من أفكاري حين سمعتُ صوت الـHR تتمتم باسمي.
كانت تشبه حبيبتي، كانت تشبه إحدى أمنياتي التي لم تتحقق. كانت تشبِهها في النظرات، في الطول، حتى في نطق الحروف. كانت حلمًا لم أمتلكه أراه الآن يسير أمامي ويخاطبني ويتحدث معي، والأسوأ أنه يقيّمني! متى يمكن لأحلامنا أن تقيّمنا، أن يكون لها الحق في إخبارنا أننا نستحقّها أم لا؟!
ظلِلنا نتحدث لأكثر من ساعتين، كنتُ أحاول أن أطيل اللقاء قدر الإمكان. أجبتُ على كافة الأسئلة، كذلك طلبتُ قهوة لأطيل اللقاء، وظللت أطرح وأشرح. ساعتان مع حلمي فرصةٌ أعتقد لن تتكرر مجددًا.
لابدّ من نهاية لكلّ شيء...
كانت الساعة تشير إلى السابعة والنصف. كان الجوّ قد أصبح ألطف، الهواء أقلّ برودة وغياب الشمس أعطى نوعًا من الهدوء في المسير، لذا قررتُ السير لأصل إلى الكورنيش.
نظرتُ إلى محفظتي، لم أجد بها سوى مئة جنيه. كان طريقي عودتي سيأخذ ثلاثين جنيهًا، ولم يتبقَّ معي إلا أربعون جنيهًا للغداء. فكّرتُ في تحضير وجبتي في المنزل، لكني شعرتُ بالإرهاق، لذا قررتُ أن أتّخذ القرار عند العودة.
وصلتُ إلى الكورنيش، كانت الساعة قد وصلت إلى الثامنة والنصف. نظرتُ حولي، كان الليل قد بسط نفوذه على السماء. غربت الشمس واختفت أشعتها الذهبية وخفّت معها الرطوبة. أكره الرطوبة منذ الصغر، لقد حصلتُ على رئة لا تستطيع التماشي مع الرطوبة، ونشأت منذ اللحظة الأولى لي عداوة للرطوبة. كانت السيارات تسير بهدوء غريب، تعبر من أمامي الواحدة تلو الأخرى.
"كانت السيارات تسير وكأنها الحياة... وكأنها أحلامي."
لقد ذهبت أحلامي مع الريح ومع إتمامي الثلاثين. أشعر بأنّ هناك شيئًا سُرق مني لكني أجهل حقيقته. أشعر أن كان عليَّ فعل شيء ما، أن أقوم بخطوة نحو مستقبل أفضل مما أنا فيه، لكن فقدتُ بوصلتي ولم أتخذ القرار الصحيح في العشرينات، والآن وأنا في الثلاثين عليَّ أن أبدأ من جديد. أنا أستمر في السعي!!
توقّفت سيارة أمامي وأخبرتُ السائق باتجاهي: "الجيزة". دفعتُ له عشر جنيهات أولى فتبقّى معي خمسة وثلاثون جنيهًا. هذه هي ثروتي في الحياة وكل ما أمتلكه حتى أقابل صديقي رضوان؛ سيعطني مرتبي للشهر الأخير لي في العمل.
أخبرتُ رضوان في السابق عن نظرتي للمجتمع، بأننا نعيش في عالمٍ الجميع يحاول فيه إزاحة نفسه نحو طبقة اجتماعية جديدة ليعيش حياة لا يستطيع دفع ثمنها. لذا نحن نعيش في سباق بلا معنى. ما فائدة الأموال إذا كنتُ أشقى للحصول عليها؟ أين المتعة في تكديس الأموال؟ أريد أن أحيا... لكنه سبّ المجتمع وكلّ العلوم وأخبرني أنه يهتمّ بعلمٍ واحد ألا وهو علم الحصول على المال. رضوان صديقي غير المهتم بأيّ شيء إلا العمل والترفيه.
كيف لنا أن نكون صديقين ولم تُفرّقنا الاختلافات؟
صعدتُ إلى السيارة، كانت هناك امرأة تتحدّث بصوتٍ عالٍ عن خناقتها مع زميلة لها بالعمل. حاول البعض التحدّث معها أن تُخفض صوتها لكنها لم تُلقِ بالًا بأحد. أخذ السائق حينها بتشغيل الكاسيت، تصاعد منه صوت أم كلثوم بكلمات أغنية "عودت عيني على رؤياك" وشعر السائق بارتياح وأشعل سيجارته وظلّ يُدندن مع الكاسيت. وأنا أنظر إلى نفسي في المرآة وأتساءل: متى كبرتُ حتى وصلتُ لسن الثلاثين؟ هناك شيء خاطئ في الأمر، لا أتذكر الأيام الماضية كيف ذهبت بتلك السرعة.
أشعر أنّ حياتي عبارة عن قفزات كبيرة بلا تمهيد. فجأة أجد نفسي في الثانوية ثم أقفز لأنهي الجامعة ثم أقفز فأذهب للعمل. ما السبب الذي أوصلني لتلك القفزات؟ وما هو الاختيار الذي ترتب عليه كلّ تلك الأحداث؟ لا أستطيع التعرّف عليه أو إيجاده. لكنني قفزتُ واستمررتُ في ذلك حتى وصلتُ لهذه النقطة، النقطة التي لا يتواجد معي فيها مال كافٍ، فأنظر إلى المرآة وأتساءل: كيف حدث كلّ هذا؟
بدوتُ كالمرهق. شعرتُ بأنني أصبحت عاجزًا فجأة وكأنني أحمل أثقالًا أثقل من قدرتي على حملها. أنهيتُ حالتي من التأمّل الخائف، لقد اكتفيتُ من جلد الذات، ما فات قد فات.
"فماذا يضرّ الشاة سلخُها بعد ذبحها؟"
هذه هي الحقيقة. ماذا سيضرّني بعد كلّ ما حدث؟ لقد تهاوت أحلامي رغمًا عني، وربما كنتُ السبب بذلك التهاوي. لقد تسرّعتُ وكافحتُ لأجل لا شيء. يقول جورج أورويل إننا حين ننظر من الهاوية ندرك الحقيقة للعالم.
نعم، أدرك الهاوية وأدرك الروتين. أشعر بثقل الهواء والناس. الأحاديث لا تجذبني. أنا هو الغريب الذي لا يعرف دارًا أو وطنًا. أنا تائهٌ في هذه الحياة. ربما ما أوصلني إلى الهاوية هي رغبتي في إفلات كل شيء من يدي، أن أعيش في خفّة العالم، عالم بلا أي التزامات. تركتُ العمل، لم أكمل قصصًا، لم أكمل قصة حبٍّ عاشت لخمس سنوات. والآن أقصى ما أستطيع الالتزام به هو تربية قطتي.
أعرف أننا جميعًا نساق إلى قدرنا، اللحظة التي نريد الفرار منها هي اللحظة التي تقرّبنا إليه بلا شك. لذا حين ظنّ السائق أنّ السير مسرعًا هو القرار السليم الذي سيجنّبه الزحام كان يسير إلى قدره ونحن نسير معه. لذا عندما كان السائق يسير بسرعة على الدائري كنتُ متأكّدًا أنه لم يرَ السيارة القادمة من الخلف، وأنه لم يعلم أنه سيدفع بنا جميعًا إلى قدرنا المحتوم.
الصمت هو ما ساد، ثم انطلقت صرخة، صرخة النهاية والقيامة. الآن قدرنا قد تحقق. متى بدأت الأصوات تتحدث في رأسي لا أعرف، لكنني كنتُ الناجي الوحيد من السيارة. الجميع قد حققوا قدرهم لكني لا أعرف على وجه اليقين ما كان هو قدري: هل كان اللحاق بهم، أم الاستمرار هنا!!
لكنني متأكّد من تلك الأصوات والصراخات بداخل رأسي التي لا تتوقف، عمّا قريب ستجعلني ألحق بهم، ولن أكون يومها أسوق قدري بل أسوق الآخرين لقدرهم!!


Comments
Post a Comment