عن الرجل و الظل
أتذكر كذبتي على نفسي. كذبت حين أخبرت أول فتاة في حياتي أنني أحبها؛ كانت مجرد كذبة. وأتذكر حين انفصلت عنها وأخبرتها بحزني، لكنني لم أحزن؛ كانت كذبة. وحين كبرت وظلّ الجميع يتساءل: "هل أنت بخير؟"، كانت إجابتي: "أنا كويس"، وكانت تلك أيضًا كذبة. لكنها كذبة أجمل من الحقيقة؛ فلا أحد يريد أن يعرف من أنت أو بما تشعر. لذا يكفي أن تكذب وتقول إنك بخير. حتى وإن لم تكذب، هل تستطيع فعلًا أن تعبّر عمّا بداخلك؟!
أتذكر أيضًا من ضمن كذباتي أنني تخلّيت عما أحب، أو أنني أحب ما أعمل وأفعل. لكنها مجرد كذبات متتالية لا تتوقف، قفازات تتبدّل، وأكاذيب لا تنتهي. كأنك تصعد سلمًا بلا نهاية: كلما كذبت أكثر، شعرت أنك تحتاج إلى مزيد من الأكاذيب.
أم أنك تختار ثقل الحقيقة بما تحمله من تبعات عليك وعلى حياتك؟ الحقيقة مؤلمة وتجعلنا نهرب منها. كم مرة تساءلت عن نفسك وعن سعادتك؟ هل كانت إجاباتك حقيقة تتحملها وتواجهها؟ أم اخترت خفة الأكاذيب، أنك سعيد بما وصلت إليه؟ هل تساءلت أصلًا: لماذا وصلت إلى هنا؟!
أتذكر مقالًا لجورج أورويل في كتابه متشرد في باريس، كان يحكي فيه أن الإنسان لا يكتشف نفسه والعالم إلا عندما يهبط إلى القاع. تلك اللحظة تعيدك لاكتشاف حقيقة العالم من جديد، وما هي حقيقة الحياة فعلًا. إنها اللحظة التي تعود بك إلى الخفة، خفة ترك الأشياء. وأتذكر أن هذه هي تيمة فيلم Fight Club: ثقل الرأسمالية أم خفة التجرد؟
ربما لو أردنا أن نضع فكرة عن الثقل والخفة في حياتنا، يمكننا القول إن الخفة هي الظل، والجسد هو الثقل. لكن بدون الثقل لا توجد خفة، وبدون الجسد لا يوجد شيء.
كانت علاقتي بها عابرة. تحدثنا مرتين، وكانت محادثة بسيطة نستكشف فيها من نحن. لكنها لم تكن حالة من المصارحة بما نحن عليه فعلًا. كان هناك سر، وهناك حقيقة، وهناك كذبة. لذا كنت دومًا أخبر نفسي أنني لا أكذب، لكنني أتجمّل. هكذا أتخلى عن الثقل والخفة، وأصل إلى الحد الفاصل بين الكذب والحقيقة.
لكنها كانت الضد في كل شيء. لا تحب الحقيقة ولا الكذب، بل تحب أن تعيشهما معًا في آن واحد. كانت تخبرك بحقيقة، لكنها مبنية على أكاذيب. أكاذيب تشبه الماكياج: جميلة، تُرسم بمهارة، لكنها سرعان ما تنهار؛ لتنكشف الملامح الحقيقية لكل شيء.



Comments
Post a Comment