الكيت كات و رحلة البحث عن الذات

يعتقد البعض أن الأفلام صُنعت فقط لوقتها وللترفيه، وربما كان هذا الاعتقاد سائدًا لفترة طويلة في السينما المصرية، لكن مع بداية ظهور "مدرسة الواقعية" اختلفت الأفلام تمامًا؛ إذ ابتعدت عن الصيغة التجارية الصرفة، وصارت تحاكي واقع المخرجين بعيونهم ومن خلال تجاربهم الخاصة. فكان لكل مخرج دربه الخاص في التعبير عن الواقع وفق ما يراه، لذا نجد اختلافًا بينًا بين سينما "الطيب" و"خان" و"داود عبد السيد".

يمثل داود عبد السيد الجانب الفلسفي للسينما الواقعية؛ فأفلامه التي غالبًا ما تكون من تأليفه وإخراجه، تنتهج درب الفلسفة والبحث عن ذات الإنسان، كما في فيلم "أرض الخوف" ورحلة "يحيى" من عالم الشرطة ليصبح "يحيى أبو دبورة" المجرم، ليصطدم بسؤال الهوية: أي الشخصيتين هو يحيى الحقيقي؟ هل هو المجرم أم ضابط الشرطة؟ فيلم "أرض الخوف" هو مجرد فصل من فصول البحث عن الذات في سينما داود، وكذلك نجد فيلم "الكيت كات" ورحلة الشيخ الضرير "حسني" وابنه "يوسف" في البحث عن الذات.

يبدأ فيلم "الكيت كات" بمرور عسكريَّي شرطة دون رؤية وجهيهما، ثم تهبط الكاميرا من أعلى إلى أسفل بحركة بطيئة نسبيًا، لنجد الشيخ "حسني" يتوسط مجموعة من الرجال الذين تجمعوا لتدخين "الحشيش"، في مشهد يجعلك تشعر بأنهم تلاميذ يلتفون حول معلمهم.

يبدأ الشيخ "حسني" الضرير حكايته بتصحيح مقولة إنه ليس أعمى، بل كل ما حدث له أنه "فقد النور" فقط، ثم يخبرهم كيف غاب عنه ذلك النور: "لقيت قدامي أحلى منظر في حياتي، شوفت إنسية.. بنت مش عارف؟ يمكن ولية، بتقلع هدومها وبتطرطش مية على روحها.. قلبي اتخطف، بحلقت.. كانت غلطتي إني بحلقت!". كانت خطيئة الشيخ الضرير أنه انتهك ما لا يجب انتهاكه، فذهب عنه النور، وغرق في الظلام.

ينقسم الفيلم في رأيي إلى ثلاثة أزمان (أو عوالم):

  • الزمن الأول: زمن "عم مجاهد"، والذي لا نجد له وجودًا في رواية "مالك الحزين" لإبراهيم أصلان، حيث تبدأ الرواية بموته، لكن داود أراد أن يمنحه الحياة ليمثل التيار الذي يتمسك بالماضي ويرفض العيش في الحاضر ولا يرى وجودًا للمستقبل. عم مجاهد -الذي لم تتعدَّ مشاهد ظهوره أربعة مشاهد- كان سببًا في واحدة من أعظم الخطب في تاريخ السينما المصرية؛ فهو يختصم الشيخ حسني من أجل بيعه لبيته لـ "الهرم" مقابل الحشيش، لا يفكر مجاهد في الدوافع، بل في "المنزل" الذي بناه مع والد حسني "طوبة طوبة". يعاتبه الشيخ حسني بمرارة: "بيت إيه اللي بنيته مع أبويا طوبة طوبة؟ كنت فين أنت يا عم مجاهد قدرت تعمل إيه لما مرات أبويا خدت الشقة وادتها لولادها؟". مجاهد الذي وقف مكتوف الأيدي حين سُلب حق حسني، اختصمه فقط حين قرر بيع الشيء الذي كان يشعره بأن وجوده لم يكن عبثًا.

  • الزمن الثاني: عالم شيخنا "حسني"، الذي يرفض حقيقة عماه، ويتعامل مع الجميع كمبصر، ويرفض الانصياع لما يريده الناس منه. يبحث عن "مريديه" لتدخين الحشيش، يغني لهم ويطربهم، فهو في حاجة إليهم أكثر من حاجتهم إليه. حين يعاتبه مجاهد على الحشيش، لا يتبرأ حسني منه بل يقول بشجاعة: "الحشيش ده هو الذنب الوحيد اللي في حياتي". ثم يكشف عن وحدته وعالمه المظلم بحق: "بعد ما ماتت أم يوسف مكنش عندي بني آدم أكلمه.. أنا بكلم الناس حوالين الجوزة، بفضفض وبضحك وبغني في قعدة حلوة لغاية ما أموت". ويؤكد حسني أن الحكاية ليست مجرد بيت: "المشكلة.. مشكلة الناس اللي عايشة ولازم تعيش".

  • الزمن الثالث: عالم "يوسف" الابن، الذي لم تعد قدماه تطيقان ملامسة الأرض. يوسف يبحث عن فرصة ثانية بإمكانيات ضئيلة، يطارده حلم السفر والفرار إلى "أرض الأحلام" في حين أنه غير مؤهل لها. يضعه داود في موضع المفعول به؛ يبني عالمه على رهن بيت أبيه الذي بيع فعليًا دون علمه. يوسف يمثل الكثير منا، يحيا على الأمل ويجهل الحقيقة، ينجذب لعالم الخيال أكثر من الواقع. نراه عاجزًا حين يحاول خوض علاقة مع جارته "فوزية"، التي تخبره أنها أحبته لأنه لم يطمع فيها: "حبيتك عشان مكنتش بتبص عليا، ولا بتكلمني، حبيتك عشان كنت غير أهل الحتة". فيرد عليها باعتراف صادق: "كنت مببصش عشان بتكسف، وكنت مش بتكلم عشان بخاف أتهته".

تتوالى الأحداث وتتداخل الأزمنة، ليأتي السؤال الذي دارت حوله القصة: ما معنى الحياة؟ لتكون الإجابة هي "الونس". حسني يبحث عن الونس، وكذلك يوسف. ينتهي الفيلم بأن يجد يوسف وأبوه نفسيهما كـ "ونس" للآخر؛ فبعد محاولاتهما للفرار من بعضهما البعض، كان ما يبحثان عنه يكمن أمامهما مباشرة. إنها تشبه رحلة الأبطال الأسطورية، أو يمكن القول إنها "رحلة سيزيفية"؛ حيث حاول كل منهما الوصول إلى الونس بطرق مختلفة، لكننا في النهاية نرى أنهما مجرد وجهين لعملة واحدة في البحث عن الذات والونس!

Comments

Popular Posts