المَحطَّة
الرحيل، الافتقاد.. مشاعر لا تشبه إلا نفسها.
لقد سمعتُ هذه الجملة آلاف المرات، وأعدتُها على مسامع نفسي آلاف المرات الأخرى، لكن كيف السبيل لتخطي تلك النقطة في النفس؟ كيف تستطيع أن تعي جيداً أنك مجرد رقم، أو حيز موجود ليملأ مكاناً معيناً؟
حين يأتي من هو أفضل وأغنى منك، من يمتلك شقة -ليست جيدة بالضرورة- لكنها ستجعل فتاتك ترتدي الفستان الأبيض، وتحصل على "فوتوسيشن" لتستعرض كم هي جميلة، وكم يحبها زوجها الذي تزوجها "زواج صالونات". كانت تقسم لك أنها لن تفعل هذا؛ فالحب موجود لنعيشه، وزواج الصالونات موضة قديمة، ولا بد لها من أن تحيا قصة حب أعظم من قصة "قيس وليلى". لكنك تعلم من صورها أن "قيس" الذي كانت تنشده لم يكن يكتب الأشعار، بل امتلك المال الكافي ليجعلها ترتدي رداءها الأبيض وتتمايل على الأنغام، لتخبرنا بأن وجودها صار ملازماً لهذا الشخص.
بينما تبقى أنت متعلقاً بأمل زائف، ولتعلم أن من أسوأ الأشياء في الحياة هي امتلاك "الأمل الزائف". هل كانت ستفرق الأمور إذا حاولتُ التمسك بها؟ أم أنني فعلتُ الصواب حين تركتُها تحصل على ما تريد؟
كم من السنين قد مرت؟ ربما أربع سنوات. يا الله، كيف مرت هكذا؟ لقد ذهبت دون أن أشعر، كأنها ماء يتسرب، وأنا ما زلتُ واقفاً في "مكان الأمس". ما زلتُ أتذكركِ يا "بسمة" كل يوم، هل تتخيلين هذا؟ دوماً ما أحببتُ لعبة الفراق، ظننتُ أنني قادر على الرحيل حين أريد، لن يوقفني شيء، ولن أتعثر في الماضي.
كنتُ "الأحمق" الذي اعتقد أن الحياة مسخرة له، تعاملتُ مع الأمور بعجرفة، وظننتُ أنكِ ستدومين للأبد.
الحياة لا تتوقف عن السخرية بنا؛ لقد تزوجتِ بكل بساطة حين جاء الشخص المناسب وتمت الموافقة عليه، وأنا انتهيتُ من اللعبة. لم أحصل حتى على خروج مشرف، لم تبكِ لفراقي حتى؛ كانت نهايتي مهينة أكثر مما ينبغي.
هل حدثت هذه النهاية لتنتقمي مني؟ أم لأنكِ تحبين دوماً أن تكوني الرابحة، وتلك النهاية أعطتكِ نشوة النصر؟ الإهانة دوماً ما أشعرتكِ أنكِ أحسن من الآخرين.
أخبرتِني بأنكِ قد مللتِ من لعبتنا ومني، وأنكِ تريدين "المستقبل" لا "الأحلام". لم أصدقكِ، كنتُ أعتقد أنني أعرفكِ خير المعرفة، لكن خانتني ثقتي بنفسي، وأنتِ عرفتِ كيف تحصلين على غايتك.. القصة المعادة للأسف.
حاولتُ أن أحب بعدكِ أكثر من مرة، لكني فشلتُ في الاستمرار. هناك شيء ناقص، لا أستطيع تمييزه، لكني أعرف أنني أفتقد شيئاً لا يمتلكه سواكِ. وأكثر ما أثّر فيَّ تلك الأيام هو رحيل جدي؛ فقد رحل بعد رحيلكِ ببضعة أسابيع. لم أستطع تحمل كل هذا الافتقاد، فانضممتُ إلى "نادي المخدرات" الذي أضاع من عمري الكثير. بالطبع لم أصل للإدمان الكامل، لكني لم أكن في كامل وعيي مع ذلك.
استمررتُ في تلك الحالة من "اللاشيء" و"اللاتواجد"، حتى مات أحد أصدقائي إثر جرعة زائدة؛ عندها لم أشأ الاقتراب من المخدرات مجدداً.
كان جدي يخبرني في صغري أن "الأشياء السيئة لا تأتي فُرادى". حين كنتُ أسير معه ليلاً لأداء صلاة الفجر، كان لابد لنا من عبور المقابر للوصول إلى المسجد. حينها كان الظلام يغلف السماء، والأصوات تبدو كحفيف، لكني لم أخف، ولم أتوهم ظلالاً تتحرك أو أصواتاً تناديني.
كنتُ أخبر جدي أن هذا "الفحيح" هو صوت الهواء حين يخرج من القبور؛ اندهش جدي في البداية، لكنه أحب شجاعتي.
كانت تسليتي الوحيدة في صغري هي قصص الرعب التي كنا نتسامر بها ليلاً. كانت قصة "النداهة" تخيم على أحاديثنا، فقد أخذت الكثير من شباب القرية. وعندما كبرتُ، تأثرتُ بأدب الرعب، وجدتُ فيه تسليتي القديمة، لكني كنتُ أدرك أنها مجرد خيال.
حين قرأتُ قصة "سديم" للكاتب الرائع أحمد خالد توفيق، لم أجدها قصة رعب، بل وجدتها قصة حب تمنيتُ أن أعيش مثلها. تلاشت تلك الأفكار حين ذهبتُ إلى الجامعة ووجدتُ "بسمة". والآن ما زالت الفكرة تخطر ببالي: سديم.. هل أنتِ حقيقة أم مجرد خيال؟
"لو لم أركِ عندما أريد..
فلسوف أراكِ عندما أستطيع..
لو كان حبكِ خطأ فلا أريد أن أكون على صواب".
الحب الذي لم أستطع الإيمان به، وجدته بداخل تلك القصة الخيالية الواقعة بين عالم الأحياء وعالم الأموات.
كبرتُ وذهبت الأيام، وذهب بريق الحب مع رحيل "بسمة". حين رحلت، شعرتُ بالعجز التام؛ فالمال وحده هو ما يشعرك بالقوة. من قال إن المال لا يشتري السعادة كان فقيراً يبرر فقره، لو كان غنياً لعرف كيف يشتريها. وأنا كنتُ الفقير الذي فقد رغبته في كل شيء وأصبح زاهداً مع الوقت.
ومع تقدمي في العمر ومروري بتجارب فاشلة، صار الجفاء هو المسيطر. كم كنتُ ساذجاً حين اعتقدتُ أن الحب أقوى من أي شيء؛ مجرد هرمونات جعلتني أتوهم أننا نستطيع مواجهة العالم.
على كل حال، انقضى هذا العهد، وذهبت الوعود والأحلام البنفسجية. لِمَ عساني حتى الآن أصدق أم كلثوم وهي تشدو: "وصفولي الصبر لقيته خيال.. وكلام في الحب يا دوب يتقال.. أهرب من قلبي أروح على فين.. ليالينا الحلوة في كل مكان مليناها حب إحنا الاثنين".
تعلقتُ بالفلسفة، فصرتُ أزيل "الرداء الإنساني" عن المشاعر، وأنظر إليها بتجرد. الحب مجرد كيمياء وهرمونات، لذا ظللتُ أطرح السؤال: هل الحب حقيقة أم مجرد خدعة من عقولنا؟
بعد خطبتكِ وتخرجي، تقدمتُ لمقابلة عمل ولم أضع في الحسبان النجاح، لكني قُبلت، وعملتُ في قطاع البترول. أصبحت الحياة تسير بلحن هادئ، أثبتُّ نجاحي وصرتُ مسؤولاً عن العلاقات العامة بالشركة.
لماذا تذكرتُ جدي وحكمته الآن؟ "الأشياء السيئة لا تأتي فُرادى". جائني ذلك الاتصال اللعين أمس؛ المدير يريد مني الذهاب إلى الإسكندرية لحضور اجتماع عاجل!
أعددتُ حقيبتي، وحاولتُ الحصول على تذكرة "سوبر جيت" فلم أتمكن؛ كان القطار هو الحل الوحيد المتاح. كانت ذكرياتي مع القطارات سيئة، تعود لزمن بعيد حين ضللتُ عن أهلي في قطار مزدحم وأنا طفل، وظللتُ أبكي حتى وجدني رجل أربعيني ساعدني في العثور عليهم. تلك الحادثة ظلت ترعبني، ولم أستخدم القطار منذ ذلك الحين.
دقت الساعة التاسعة، توجهتُ لشباك التذاكر؛ كان يجلس وراء الزجاج رجل بدين ممتلئ، يشعرك بأنه ملتصق بكرسيه الخشبي، وجهه مستدير تنحدر منه قطرات العرق. شعرتُ حين اقتربتُ منه أنه "أعور"، وبالاقتراب علمتُ أن عينه سليمة لكن نظرتها غريبة. قطعتُ التذكرة وتوجهتُ للقطار، لم أرغب في الزحام، فتمشيتُ للأمام.
كانت المحطة شبه خالية إلا من رجلين وفتاة. رجل مسن، وآخر أربعيني، وفتاة في مثل سني، ترتدي بنطال "جينز" وقميصاً "كروهات" يمتزج فيه الأحمر بالأزرق. كانت تقف متأففة من طول الانتظار. تقدمتُ للأمام فنظرت لي باستغراب ثم عادت لتأففها. لم يكن الجو حاراً، ورغم ذلك شعرتُ بضيق في التنفس. كم أشتاق الآن للإسكندرية والوقوف أمام بحرها.. أشتاق لحبيبتي الأبدية التي لم تغادرني ولم أغدر بها.
مرت دقائق والقطار لم يأتِ. تقدمت الفتاة نحوي بخطوات ثابتة، كأنني صديق قديم. اقتربت حتى لم يعد يفصل بيننا سوى أشبار، وسألتني إن كنتُ أمتلك سجائر. ارتبكتُ وتلعثمت، ثم أخرجتُ علبتي وأعطيتها واحدة وأشعلتها لها ثم أشعلتُ لنفسي لأخفي ارتباكي. ضمت السيجارة بين شفتيها بأنوثة، ونظرها مثبت عليّ كأنها "ظمآن للماء".
"أنا بوسي.. وأنت؟"
"أنا بدر.."
"بدر.. اسمك حلو."
"شكراً.."
"الجو غريب النهاردة.."
"آه شوية.. هو القطر بيتأخر كدة على طول؟"
"ياااه.. ده العادي بتاعه. أنت شكلك خواجة!"
صمتت، ثم تحدثت ثانية ولم أتبين كلماتها بسبب هدير القطار القادم من بعيد. كان قطاراً متهالكاً يسير ببطء شديد. اقتربت وسألتني إذا كنتُ أمانع أن نجلس سوياً، لأن بطارية هاتفها ستنفد ولا تريد الجلوس وحيدة. وافقتُ على الفور، كنتُ أريد تناسي توتري.
لم يكن القطار مزدحماً، العربة لم يكن بها سوى شاب وفتاة في عناق طويل، لم يكترثا لوجودنا.
"الشباب أخلاقهم باظت أوي الأيام دي.." قالتها بضحكة عالية ذكرتني بالبارات التي كنتُ أتردد عليها.
"آه.. الظاهر كدة."
"تعرف إحساس الولد ده إيه دلوقت؟"
"الصراحة عمري ما بوست أو اِتبست.."
"بتهرج! ولا أنت مالكش في البنات؟"
"لا طبعاً ليا، بس عمري ما كان ليا علاقة وصلت لإني أمسك إيد بنت، مش أبوسها."
"طمنتني، كنت بدأت أقلق منك… وأنتِ.. جربتِ البوس؟"
"أكيد.. ياااه، أنا ببوس وأتباس من وأنا في ثانوي."
حكت لي عن مدرسها الذي استغل مراهقتها وفقدت معه "عذريتها النفسية" قبل الجسدية، وكيف شعرت أنها لم تعد طفلة مثل باقي الفتيات. ثم سألتني عن حكايتي.
"أنا حكايتي قصة قصيرة حزينة.. حبيت بنت لحد ما جه العريس واتجوزت هي وأنا زي ما أنتِ شايفه كدة."
"أنت شكلك 'دماغ'.. بالنظارة دي وتسريحة شعرك فكرتك كاتب أو شاعر، من المجانين اللي بيكلموا نفسهم وشعرهم منكوش."
"لا خالص.. أنا مش بحب أكلم نفسي ولا اكلم حد."
"واضح.. واضح."
"أنتِ رايحة فين؟"
"صحيت من النوم لقيت فكرة إني أركب القطر وعلى فين ما يودي.. نزلت ونسيت الموبايل والسجاير، قولت أكيد في حاجة حلوة هتحصل.. وأهو أنا وأنت مع بعض."
"يعني إيه؟"
"مش عارفة.. أنا شايفة اللي جوايا في عينك، إحنا زي بعض، عايشين مع ناس مش قادرة تفهمنا."
لم أرغب في الكلام، كانت الإذاعة تبث مقطعاً من "ألف ليلة وليلة" لأم كلثوم. طلبتُ منها الإنصات، ونظرتُ خارج النافذة. خيّم صمت ثقيل حتى جاءت المحطة التالية. قامت فوراً، قبلتني على جبهتي، ورحلت في صمت بين حشود لم تكن موجودة من قبل. ركضتُ وراءها فلم أرَ حشوداً ولا زحاماً، ولم أرَ حتى القطار!
ما زلتُ أقف في موضعي، والمحطة خاوية إلا مني، ومن رجلين؛ واحد مسن والآخر أربعيني، وتلك الفتاة ما زالت تقف بعيداً.. متأففة!



Comments
Post a Comment