الغتاته و الغَتيت..


فى معجم تاج العروس نجد أن معنى غَتَّ انه اخفاء الشئ مثل " غَتَّ الضَّحِكَ ، يَغُتُّهُ غَتّاً" أَخْفَاهُ ".

ربما هناك اختلاف بين المعنى المقصود للكلمه و المعنى الدارج لها فى الاستعمال اليومى ، حيث فى العامية يقصد بالغَتَّ ذاك الشخص السمج الممل الذى ينزل عليك الكآبه فور رؤيته ، و من هنا يمكن القول أن العامية و الفصحى اتفقو على أن المعنى للغَتَّ هو اخفاه البهجة و السعادة.

للاسف الشخص الغَتيت لا ياتى فى صورة واحده فاهو الروح الشريرة التى تتلبس الجميع فى اوقات لا تسمح لك برفاهية ذلك.

هناك طبعاً انواع كُثر من تلك الشخصيات التى تنغص علينا الحياه وتجعلها لا تطاق ، يمارس الاصدقاء الغتاته فى بعض الاوقات و نمارسها عليهم ،  و لابد من وجود شخص غَتيت بين افراد الشلة الواحده ،  هناك ايضاً الموظف الذى لا يؤدى عملهُ الأ بالرشوة و سياق الغتاته على خلق الله و اخذ شعار ” ادفع عشان تعدى “ اسلوب لحياته ، مثله كامثل المدرس الذى يمارس كل سبل من الغتاته و الترغيب و الترهيب من اجل الدروس الخصوصيه !

هناك ايضاً غتاته ناتجه عن حب و خوف حقيقى على مستقبلك و يمتلك الاهل النصيب الاكبر حيث قدر لهم نصيب الأسد فى ذلك الدرب من الغتاته من اختيار اسمك مروراً بطرقتك فى اختيار مظهرك و طول شعرك و تسريحة شعرك و طرقتك فى الأكل ، و اخبارك من الذى يجب التعامل معهُ و من لا ، ثم تاتى مرحلة ترويضك و تحجيم احلامم بإقحامك فى كلية لا تمثل لك شئ او تعبر عن هوياتك من اجل ابن طنط الذى لم ينجح فى شئ الأ حفظ المقررات المدرسية العقيمة فاتمارس الغتاته عليك بكل حدب و صوب لتصبح أنت ايضاً مثله فارغ العقل و المعنى ، ثم تتوالى الغتاته حتى تصل الى مرحلة الفاينال بإختيار زوجتك التى ستلازمك للابد ، ثم تُكمل هى سلسلة الغتاته  !

تستمر تلك الدائرة المغلقه حتى تنجب فاتبداء تصاب بحمى الغتاته إن لم تكن تمتلكها من الاساس ؟ فاتمارسها بدافع بالتتابع على اولادك متخذ شعار   ” الخوف على مصالحهم ، و خداع نفسك بأنك فاهم عنهم ، و عارف مصلحتهم فين “ ، ربما هى جزء اصيل من تكوين الجين البشرى او هى طفرة جينية نتورثها كما قيل فى اغنيه الحلم العربى ” اجيال وراء اجيال".

لكن يظل السؤال الصعب ، لماذا نمارس الغتاته من الاساس ؟ لماذا هى الركيزة الاساسيه فى التاريخ و الجين البشرى ؟

لا اعرف حقيقتاً الجواب ، و لا حتى ما هى النشوة التى يجدها البعض فى حشر انفوهُم فى الامور الشخصيه لىِ بنى ادم منا ، و من اين لهم بتلك الطاقه التى تمكنهم من مواصلة حشر انوفهم فى حياة الغير ؟ فى ظل حالة الاكتئاب المسيطرة علي الجميع !

اتسأل عن ماهية تلك النشوة التى يشعرون بها حين يمارس غتاتهم ، هل هى نشوة تشبه نشوة الجنس مثلاً ؟ فاتجلب لهم المتعه و الانتشاء ، فايستبدلون المخدرات بالغتاته و التنغيص ، ام انهم قد وقعو عقد مع الشيطان لا يستطعون التراجع عنه لذلك يبذلون كل ما في طاقتهم لجعل حياتنا كئيبه و تملأها الرتابه اكثر مما هى عليه ، ام تراها تلك الموهبة التى جعلت جلدهم تخين فلا يستشعرون الحرج ، لذلك يستمرون في جلدنا بسوط حشر انفُهم داخل مساحتنا الشخصيه ؟

الغتاته تشبه كثيراً تلك الحالت التى تحدث عندما تتلبس الفرد منا روح مدرب التنميه البشريه العالم ببواطن الامور قبل ظاهرها ، و العارف الملم بكل شئ حتى كيفية التفرقه بين انثى و ذكر النملة ! فلا يكف عن اعطاء النصائح لنا او ايضاح امر قد يكون تركناه عن عمد ، و حين تمل من تلك الامور التافهة تجد من يسرع لى إسكاتك بجمله ” ده بيقول كده عشان مصلحتك ، ده خايف عليك “.

منذ مده قابلت ذلك الكائن الغَتيت فى المترو ، عندما كنت اقراء كتاب ”رايت اللّه “ للراحل مصطفي محمود ، لم تمر بضع دقائق حتى وجدته يتجه صوبى و بدأ في الحديث معى بانه لا يصح ان نسمى كتاب بهذا الاسم و ظل يردد بعض الأيات القرآنية عن ان الله لا تدركهُ الابصار ، فى حين كان يمكن ان انهى تلك الحالة من الجدال في جمله ان ” رايت اللّه “ هى تعبير صوفي و تعنى ان ترى اللّه في صنعهُ و عظمته و ابداعه للكون و الخلق ، كان يمكن انهاء النقاش لو انه تركنى لثوان اتحدث عما في الكتاب ، لكنه...

وقد تكرر ايضاً موقف مشابه مع فتاة كانت تقراء رواية ” اولاد حاراتنا “ للراحل نجيب محفوظ ، و حدثت الطامه الكبرى عندما راتها سيدة لم تقراء الروية من قبل و لا تعلم عنها شئ ، لكنها تطوعت من تلقاء نفسها و ظلت تتحدث عن أن تلك الرواية تدعو الى الالحاد و الكفر.

 لذلك عليها التخلص منها فوراً ، فما كان من الفتاة سوى الصمت و الابتسامه السمجة التى تخبر السيدة بالصمت فوراً و قولة خليكى فى حالك ، لكن الصمت ليس احد صفات الغتيت ، فور وصلهم للمحطة اخبرت الشرطة عنها انها تمتلك كتاب يدعو الى الالحاد و الكفر و فعلا اوقفت الشرطة الفتاه و بعد الشرح لهم تركو الفتاه تمضي في سلام ، الرسالة التى تصلنا من هذه المواقف  ” أن الغتيت هو العدو فاحذره “.

و فى عصر السوشيال ميديا و التى كانت احد اسباب إنتشار السماجة و الغتاته اكثر من ذو قبل ، فاصار لدينا شخصية الطنط و عمو الذى يغذو عالمك الافتراضى الخاص ، ليضع بصمته فى كل شئ ، يمكن ان تكتب بوست للتعبير عن ضيقك من الاحوال السياسة و الإقتصادية التى تمر بها الدولة ، تجدهُ ينحشر ليخبرك أن النظام ناجح و لكننا جيل لا يعجبه العجب ! او لماذا لا نذهب لنعمر الصحراء ؟ لتجد نفسك تلعن اليوم و اللحظة التى قبلت إضافة هذا الشخص.

لا يوجد شكل واحد للغتاته فاكما قلنا سبقاً لها اشكال كُثر و متعددة لذا هناك حل و امل فى إنهاء و القضاء عليها ، حيث انها باتت تشبه مرض زومبى ، و الحل هو انك  تصبح علي الفور كائن غَتيت و تطبق نصيحه الفنان الراحل محمود عبد العزيز ” احنا هندوش الدوشه عشان متدوشناش“.

#الغتاته_و_الغَتيت

#كريم_فوزي

Comments

Popular Posts