أحــــــــــــــــــــزان عــــــادية


“قلتُ: فليكن الحبُ في الأرض، لكنه لم يكن!
قلتُ: فليذهب النهرُ في البحرِ، والبحرُ في السحبِ،
والسحبُ في الجدبِ، والجدبُ في الخصبِ، فينبتُ
خبزاً ليسندَ قلبَ الجياع، وعشباً لماشيةِ
الأرض، وظلاً لمن يتغرّبُ في صحراءِ الشجنْ.”

الحب... عبثًا ما نبحث عنه، لا أعرف من أنا... أقف عاجزًا... أستند على إيقاعِ الهدوء... أستند على نفسي خلسةً بين الأمس والغد... تائهٌ أنا بين الليالي المظلمة، كالليلِ بين ثنايا النهار، كالشمسِ حين تغوص في الغروب... كالحياةِ بين أنياب الموت.
أتساءل: هل ما زال في قلبي نبض؟
أين تلك الطمأنينةُ الأبدية التي شعرتُ بها حين كنتُ طفلاً؟ اختفت... أم أنني كنتُ أكذب على نفسي؟
الصدقُ لم يعد يُنجي أحدًا، التهلكةُ مصيرُنا المحتوم.
كان هناك يومٌ كنتُ فيه أنا... ذات الشخص وذات الـ"أنا"... بحثتُ عن شيء، عن أمل، عن ذلك الغد البعيد.
الآن أعرف أين تختفي الأحلام... أين تتواجد تلك القشةُ التي تقسمُ ظهرَ البعير.
هل أنا حقًا غريق؟

“ورأيتُ ابنَ آدم - ينصبُ أسوارهُ حول مزرعةِ
الله، يبتاعُ من حولهِ حرسًا، ويبيعُ لإخوتهِ
الخبزَ والماءَ، يحتلبُ البقراتِ العجافَ لتُعطي اللبن.”

أسوار... هناك أقفُ أشعر بالاختناق... إنني محاطٌ، مراقبٌ، مقيّد...
هذا ليس شعورًا بل حقيقةٌ عليّ أن أتقبّلها... مؤكدٌ أنني مقيّد، هذه القيودُ لا أراها بل أشعر بها، هناك ثقلٌ بداخلي.
حاولتُ القفز مرارًا وكان الفشلُ هو النتيجةَ... الفشلُ هو حقيقةُ ابنِ آدم، الذي ابتاع حرسًا... الذي قتل إخوتهُ... الذي باع الخبزَ والماءَ واحتلبَ البقراتِ العجاف.
أنا خائفٌ وتلك المخاوفُ ربما خوفٌ عادي، لا تشعر بثقلهِ أو خفّته، بل تشعر أنك في عالمٍ مظلمٍ وبارد، لا تشعر بأي شيء، كأننا فاقدو كلِّ الحواس، كأنّه الموت.
هل نشعر في الموت؟ لا أحد يعرف، لم يأتِنا أحدٌ من هناك ليحكي. الإجابةُ متوقفةٌ على تفكيرِنا، متوقفةٌ على ما نفعلُه، متوقفةٌ على القوى التي تضع القواعدَ جميعها.

“قلتُ: فليكن العدلُ في الأرض؛ عينٌ بعينٍ وسنٌّ بسنّ.
قلتُ: هل يأكلُ الذئبُ ذئبًا، أو الشاةُ شاةً؟
ولا تضع السيفَ في عنقِ اثنين: طفلٍ.. وشيخٍ مسنّ.”

ما زال هناك ألمٌ لا أعرفُ من أين جاء ومتى سيرحل، لكن ما يهمني أنني أشعرُ بتلك القبضةِ وذلك الاعتصارِ الذي يزيلُ النورَ من أمامِ عينيّ ليسود الظلام، أتعّرى من كلِّ شيء كنتُ أعرفه، تكتبُ كلُّ الأسماءِ بصبغةِ الحزن، تكتسي كلُّ الوجوهِ بالحزن، وأنا ما زلتُ أشعرُ بأن هناك شيئًا... سؤالًا... محادثةً.
أشعرُ أم أنني لا أشعر؟ هناك شيءٌ بداخلي لا أعرفُ ما هو غير تلك القبضةِ يتلاعبُ بمشاعري، يتأرجحُ بها كيف يحلو لهُ، لا يعبأ بي. كلُّ ما يهمه أن يمزح ويسعد كلَّ شيءٍ من وجهة نظره المختلفة. ربما يكتبُ الحزنَ بحروفٍ مزينةٍ براقة، وربما يكتبُ الفرحَ بلونٍ باهت. الأشياءُ معه تختلفُ وتختلفُ معه المعاني وكلُّ التعريفاتِ التي ربما تشكّلنا وتتحكمُ فينا.

"أصبح العدلُ موتًا، وميزانهُ البندقيةُ، أبناؤهُ
صلبوا في الميادين، أو شنقوا في زوايا المدن.
قلتُ: فليكن العدلُ في الأرض.. لكنه لم يكن.
أصبح العدلُ ملكًا لمن جلسوا فوقَ عرشِ الجماجمِ بالطيلسان -
الكفن!"

هي... ربما هي تلك القبضةُ وذلك الإحساسُ وتلك النظراتُ التي تطاردُنا أينما حللنا. ربما هي ليست الإجاباتِ المختصرةَ التي لا تحتاجُ إلى تأويلٍ أو إعادةِ نظر، لكنها أيضًا ليست حقيقةً، وليست وهمًا. هي العبثُ الذي يجعلني أتخبطُ معه وأفتقدُ كلَّ الأشياء التي كان لا بدَّ لي من الاحتفاظِ بها، مثل قلبي ومشاعري تقريبًا.

Comments

Popular Posts