الـــــــــمـــــــنشد
عندما فرغ اللقاء تنفس الصعداء, فقد ازيح
حجر ثقيل عن صدره , جلس فى سيارته السوداء من نوع المرسيدس.بداء يحشوه غلونه و
يدخن, حينها تذكر الليله التى غيرت مجره حياته, عادت به الذكريات الى ايام شبابه
حيث كان احد من يوصفهم الاعلام بجيش القرود.
كان وصف ( جيش القرود) صاحب سمعتة سيئة
في تلك الايام.
فبعد عدت حوادث و اضرابات, اودت بموت
اكثر من 20 الف عامل و طالب, اصبح هذا الاسم
سئ المعني في نفوس العامه و الفقراء, لم يعرف احد من هم جيش القرود و ما هي
مطالبهم, فقط كانوا يشعلون النار في المباني الحكومية و يكتبون علي المباني
بالاسبري الاحمر ( جيش القرود).
اتهم الكثير بالانتماء الي جيش
القرود, و عذب الكثير, حتي جاءت انتفاضه عمال المناجم لتنشر فوضي عارمه في ارجاء
البلاد, الموت ورائحه الجثث المحترقه و المباني المتفحمه, الرعب و الجحيم كان قد
مر علي الجميع و ترك اثاره في ملامحهم و طريقة حياتهم.
استطاعت السلطة استعادت السيطرة مرة اخري بشق الانفس, لم يعرف
احد كيف حدث هذا ؟ لكن كل شئ انتهي فجأة و ظهرت الاعترافات بان السبب هو جيش
القرود, و من ذلك الحين ذادت صلاحيات السلطة دون أي حديث عن الحرية او العداله.
جيش القرود او بقاء السلطة, الخيارين الذين وضعوا امام
الشعب, و الشعب بالطبع يقبل بالحياه في أي شكل مهما كانت.
انتشرت بعد ذلك اقاويل عن ان جيش
القرود كان مشكل باوامر من السلطة, لكنها ظلت اراء متدالة, كان مراد قد شهد علي
تلك الاحداث حينما كان ابن العاشره. لذا لم غريب عليهم بان يسارع الاعلام بوصفهم
بعودة جيش القرود مرة اخري, تحدثوا عن المؤامرة, الاموال الخارجية, الخيانة.
الحرية و الديمقراطيه و التغير, كانت هي املاهم الوحيده, لم يحملوا السلاح او
حتي العصا, فقط طبعوا طلابتهم في اوراق و ظلوا يوزعها علي الشعب, بدأت التظاهرات
تحصل علي القوة, الشعب صار يدعم التظاهرات, منذ ثورة القرود الاولي, الاحوال تدني,
الحياه اصبحت جحيم, لذا لم يجد الشعب من ضرر بدعمه لتلك التظاهرات.
كان مراد اكثر الشباب ايمأنا بالحريه
و العداله و الديمقراطية, هذه الجمل و الشعارات كانت كل ما يدور فى خلده, يحفظها
عن ظهر قلب و يرددها فى سعاده, كان يشعر بالعنفوان و تلك الثقه بانهم فى صدد فعل
عظيم و تغير شكل الحياه المألوف, كانت تلك ايام الشباب التى لم يبقى منها سوى
الذكريات فقط, الحلم كان يسبق الحقيقه حينها.
الاحلام تتبلور, تنبثق الازهار
فايزداد الايمان بأن هناك أمل و النور سيسطع, الان لم يعد من تلك الايام سوي
الذكريات لقد تبدل من حال لحال, لم يعد
كما كان, لم يبقى من هذا الثائر سوى الشكل, لقد علم أن زمن الثورات قد ولي و صار
موضي قديمه, لقد انقضي عهد الشيوعية و هذه هو عهد الرأسماليه, ام عليه القول ان
الحياه تبتسم فقط للذكاء, و سيظل الودعاء الطيبين كما هم يكافحون للبقاءو هو و
امثاله يعشون في رغد و رفاهية بلا حدود.
العالم لم يعد يهتم بالفقراء الجملة
التي احتفظ بها بداخله دوما, الاهم أن يزداد الاغنياء غني, و الفقراء لهم الجنه
بالطبع, فلماذا اذن يطمعون في الدنيا ؟ في
هذا العالم لا يوجد احد يعبأ بشئ الا نفسه.
الحياه عرض و طلب, عليك أن تقدم شئ
لتحصل علي أخر, عليك أن تقدم المال لتحصل علي السلطه, عليك أن تقدم الخنوع لتحصل
علي الحياه, اللعبة واحده حتي و أن اختلفت أشكلها, نحن نسير في دائرة مغلقه,
تساويت فيها الاعمده في الطول فاصبحت تخنقنا, لكننا عاجزين عن أن نطل برؤوسنا
للخارج و الا نسحق من دوران الدائرة.
ذهب عهد الاحلام البنفسجيه, ليحل محله
عهد الاموال و المناصب, ذكرته هتفات الجمهور, بليالي هتافات تلك الايام حينما كان يقابل الرصاص بصدر مرحب, لم يهاب الموت,
حلمه اكبر من الموت في ذاته.
الموت سيقتل فرد, لكن الفكرة ستظل
تحارب, ارتسمت علي ملامحه أبتسامه ساخره من تلك الافكار التي كانت تسيطر عليه في
تلك الفتره, الان يتلقي رافق المظاهرات و الميادين فى مناصب مرموقه و الكثير من
اصدقائهم مازال يقبعون فى السجون, اصدقاء كانوا عون لهم, يؤمنون بنفس القيم, الفرق
بينهم ان هؤلاء عرفوا كيف ينجون من الطوفان, و يتنازلون عن كل شئ, ليصعدوا درجات
سلم مغطي بدماء و جثث ابناء وطنهم.
الان صار مراد كهلاً, لا يملك الكثير
من الصحة, تشعب في دروب السياسه, حتي صار قطبا رائسيا فيها, اصبح المتحكم الوحيد
في اللعبة, عنده تتوافد كل الصفقات, يمتلك كل خيوط فى الخفاء.
عاش ايام كثيره فى الشوارع و الميادين
يحلم بالتغير هو و اصدقائه من اصحاب الفكر اليمينى واليسارى و حتى الليبرالى كانوا
يشكلوا جبهة قويه فى وجة السلطه, مرت الليالي ما بين الكر و الفر و الموجهات مع
الشرطة, عاد جيش القرود من جديد لكنه شكل من ابناء الوطن لنجاة الوطن علي عكس
الجيش الاول.
شهدت الايام الاولي هدوء, حتي بدأت
تتصاعد الاحداث, فتسارعت ماكينة القتل, و ظل يذهب ضحياتها اكثر من خمس اشخاص
يومياً, لذا لم يستطعوا التراجع ظلت احلامهم و الدماء التي سفكت علي الاسفلت من
اصدقائهم و منهم اقوي من القتل, فظلوا يتقدمون اكثر و اكثر الي الامام, و كلما
كانت الخسائر و التضحيات تتزايد كان يصعب التراجع, لم يكن امامهم الأ المزيد من
التقدم و تقديم التضحيات.
مر شهرين على اندلاع التظاهرات و مراد
لا يفعل شئ سوى الهتافات و التظاهر و الاشتباك, حتى صار معروف باسم المنشد لانه
اكثرهم حفظا للاغانى الثوريه و احسنهم فى الهتافات.
كان في خضم الالحتامات ينظر الي صديق
عمره طه و يبتسم و طه ينظر اليه و يخبره.
- التاريخ ضمن الغنايم و بيكتبه
الكسبان.
فاتنفلت منه بسمته و يشعر باقتراب
النصر و نجاح ثورتهم, كان طه هو مصدر الامان لهُ, عشا معاً منذ الصغر, مضي علي
صدقتهم اكثر من عشرين عام, اصدقاء لا يفرق بينهم شئ, لا الدراسه ولا العمل, حتي
الافكار كانت شبه واحده, كانوا دوماً سويا, لا يفرقهم شئ.
حتي في صارعتهم الصغير الخاصه كانوا
لا يفترقون, فقد خاضوا سوياً صارع طويل مع اهل حيهم حين اتهموا طه بالتحرش بزوجه
المعلم علام تاجر الاثاث, لكن مراد و طه استطاعوا ان ينجحوا في صارعهم مع اهل
الحي, و اظهروا كذب هذا الادعاء, و الان هما يحربون السلطه لتكذيب ادعائها انها
موجود لصالح الشعب.
حتى اتي ذلك اليوم و
جاءت تلك اللحظه التى القى القبض على مراد و تلك الطلقه التى اخترقت جسد طه, لم
يعلم من اين اتت ولا من اطلقها, كل ما
يعرفه هو ما راه بام عينه, حين ساد الصمت لثوان و نظر الى طه إذ بتلك الطلقه تخترق
صدره, ابتسم في البداية و اخبره انه بخير, ثم امسك صدره, و اخبره بشعوره بوخز في
جسده, حتي بداء الدم في الانسياب, بقعه حمراء تمتد لتشمل ملابسه.
و طه يحاول ان يتماسك, لكن جسده خر
سقطاً, يحركه مراد لكنه لم يستجب, انتقل الي رحمه الله, حينها انهارعالم مراد, ثم
وجد ان كل شئ فقد معناه.
بكي, و سب, و هتف,و الجميع صامت,
يحاول مراد مراراً أن يجعله يتحدث, يحرك يده, ينظر الي عينه الناظر الي اعلي, يبكي
علي صدره, يضمه اليه اكثر و اكثر, يصيح طه, ينظر الي رفاقه غير مصدقه ما يحدث و ما
حدث.
تلقي ضربه علي قويه علي راسه, فاسقط
علي صدر صديقه طه, و شعر بايدي تحملهُ, استيقظ و هو لا يعرف اين هو و لا كم الساعات
التي ظل فيها غائب عن الوعي..
حين بدأ يستعيد وعيه ظل يتذكر تلك
الرصاصه التي تخترق جسد طه و هو عاجز عن اسعافه, او تقديم يد العون لهُ, حينها
تذكر تلك المقوله التي كان يرددها النظام ان ثمن كل شخص هنا مجرد طلقه, طلقة باستطاعتها
ان تكتب اخر سطر في حياتك بمشئيه القناص و النظام.
لم يدري ماذا
حدث ؟
ظلت تلك اللحظة التي فقد فيها طه هي كل ما يتذكره,
حاول أن يعرف اين هو, لكنه لم يتمكن من الرؤيةفالمكان مظلم بشدة, الجو شديد
البرده, و كان هناك ماء يبلل جسده, وشعر بالموت حينها, كانت جميع اعضائه تؤلمه و
بشده.
أكثر ما جعل الخوف يتسلل لنفسه هي
اصوات التعذيب و الصراخ المنتشره و تلك الضجه التى تصعد من الاشئ حيث تملا اذنه و
يقشعر جسده في تلك الظلمه, استطاعوا ان يجعلوا الخوف يتغلغل بداخله حتى صار
منكمش لا يعلم متى ياتى دوره للحصول على هذا العذاب, لقد جاءت بيه الاقدار الي
الجحيم.
مضي اليوم الاول عليه و هو صامت لا
يتحدث حتي مع نفسه, كان التعب و الاعياء متملك منه, فاغفي قليلا, حتي استيقظ علي
صوت خافت من وراء القضبان بان هناك وجبه لهُ و عليه التهمها, كان النور شحيح جداً
فقط ياتي من اسفل باب الزنزانه, كان للطعام رائحه مقرفه جدا, تلك الصحون لا تحتوي
علي طعام بل هو بقايا متعفنه.
لم يستطيع السير لذلك اختار الزحف على
بطنه, ألم معدته جعله يلتهم هذا الشئ العفن, فضل الاشتمئزاز على الموت جوعا, اراد
ان يحيا مهما كلفه الامر.
في البدء الامر لم يعرف دافعه للبقاء,
كان الموت رحمه لهُ عن وضعه الحالي, السجن المظلم و الهواء الثقيل الرطب, لقد عزلتحت
الارض, عرف انه الان جليس الاموات, فكر فالا يطل الضيافه عليه ان يصبح احدهم عما
قريب.
لكن هناك شئ يخبره بان عليه النجاة, يدفع
للبقاء, هناك شعور يتملكه يريد أن يحيي مهما كلفه الامر, يريد أن يثأر و ينتقم من
منّ قتل صديقهُ و زج به فى تلك الضلمة و هذا الجحيم.
مضت الايام و لم يطلب للاعتراف او
للتحقيق, لا يستطيع معرفة مدة بقائه, الايام تشبه بعضها, لا يعرف متي يكون النهار
و متي يكون الليل, الاوقات تلاشت هنا.
حتي نفسه قد تلاشت, صار شبحاً, شخص
اخر, يفعل أي شئ للخروج من هذا الجميع, كان يمكن أن يعترف علي اصدقائه و عن نفسه
بتهم من محض خياله, لكنه لم يطلب للتحقيق, حتي وجد نفسه معصوب العينين, و انتقل
الي سطح الارض مجدداً, لا يعرف من أين أتي و الي اين جاء ؟ لكنه علي كل حال سيري
الشمس.
في اليوم التالي استيقظ مع اشراق
الشمس التى ملاءت الزنزانه فاشعرته فانه يحترق و جعلت جسده يتصبب عرقاً, شعر انه
قد توفي و ذهب الي النار مباشرتاً, حتي فتحت الزنزانه بصفير مزعج لقدم مفصلات
الباب, و تردد صوت غليظ فى ارجاء الزنزانه بجمله.
- اطلع بره يا مسجون.
كان المتحدث رجل ضخم الجسد, لم يتبين
كامل ملامحه كان الممر مظلم بشده رغم اشعة الشمس التي تسربت الي الزنزانه, يرتدى
زى اشبه بي زى الشرطه ولكنه غريب بعض الشئ فى الونه و انواع التسليح التى بحوزته.
وجد مراد نفسه فى سجن بداخل صحراء
شاسعه المساحه, اصطف المساجين فى صفوف و دقت الاجراس لتعلم بقدوم شخصية هامه, لم
يعرف ماذا عليه أن يفعل ؟ فانهال عليه احد الحرس بالضرب, ثم اصطف في الطوابير,
ليأتي المامور الاسوانى, رجل في العقد الخامس من عمره, جسده ضخم متناسق ناتج عن
ممارسته للرياضة باستمرار, يرتدي نظارة شمسيه تليق ببذلته الانيقة بشكل يدفعك
للانتباه و التسأل كيف له يرتدي مثل تلك الملابس الانيقة في هذا المكان؟
القى خطبته فى هدوء مخيم على الجميع,
لا احد منهم يصدق ما يحدث, الصدمه هى من جعلتهم يتقبلون الامر فى البدايه ثم ازيلت
الصدمه, فعلموا الحقيقه, لقد اصبحوا في عداد الموتي, عما قريب سيدفنون هنا, بلا
اسم او تعريف هم مجرد جثث حين يملون من تعذبهم و اشباع ساديتهم عليها, سيقتلون و
يدفنون و كانهم كلاب ضاله.
كانت كلمات الاسوانى متكرره على
مسامعهم من انهم متمردين, خونه, عملاء للخارج, اتفاضة جيش القرود الثاني,
تلك الاتهامات و الكلمات التى تتردد على مسامعهم فى القنوات الفضائيه.
لم يتمهل الاسواني او يترك مجال لقول
اخر, فور انتهائه من خطبته غادر على الفور, لكن حديثه حمل الكثير من المعانى و لغه
صريحه بانهم هنا سيشاهدون الجحيم بام اعينهم.
مر شهر كامل عليه فى ذلك السجن, تعرف
على بعض الوجوه مما كانوا معه فى التظاهرات لكنه لسبب غير معروف فضل الصمت عن
الحديث, كانوا يبدون كالاموات لا يسمع لهم
ضجيج, لا احد يصرخ او يتحدث كانوا كل ما يستطيعوا فعله هو الهمس فقط, تلاشت
الشخصيات و صار الجميع اغراب عن كل شئ.
مضت سنه كامله لم يعلم احد شئ عن
العالم الخارجى, تبدلت حينها الشخصيات عما كانت, هنا سقط و انعدم الامل, الاحلام
رحلت عن اعينهم بلا عودة, ازيلت الغمامة هنا الموت يخيم عليهم, الجميع منتظر الموت
لينتصر علي السجن, لكن لا احد يملك الشجاعه الكافيه في أن يذهب للموت.
تبدل مراد عما كان و معها تبدلت
افكاره ,لم يعد يؤمن بشى من افكاره الثوريه, الاصلاح , الديمقراطيه, العداله,
المساواه, الحريه, مجرد كلمات حشت بها الكتب للبيع لا اكثر, من كتب تلك الكلمات و
من ينادي بها لم يكتبها في السجن او علي
الاقل لما يري ما يراي هنا.
لماذا انساق الي هذا السجن دون غيره ؟
ظل هذا السؤال يشغله حتي علم انه كان
يوجد جواسيس بين صفوفهم بعضهم ظنه صديق, حتي انه تعرض للضرب من الشرطه و سحل حين
دافع عن احدهم, حينها شعر بالعار اراد ان يبصق عليهم لكنه بصق علي مرآته.
هو ... هو, فقط من ترك نفسه فريسه سائغه لهم, لم يكن عليه
ان صدق درويش حين قال "ان علي هذه الارض ما يستحق الحياه" لو انه فعل
مثل ما فعل صديقه حسين, لكان الان في احسن حال و كان طه معه يمرحون ثلاثهم.
لكنه عوضا عن هذا تمسك بالشعارات اكثر
و اكثر, قرر حسين الهروب و المغادة اليأس كان يتحكم فيه, فلم يجد امامه سبيل الا
البحر, و قال قول السابقين الحوت خير من الدود, الهجره الي العالم الاول فتنته
اغرم بيه, راي الجنة فيه فاطلبها و اهذ االهجرة الغير شرعيه وسليته, لذا تحرك و لم
يتوقف امام أي شئ.
اخر ما دار حوار دار بينهم كانت
كلماته عالقه في ذاكرته "انا اتخنقت, الهوا بقي تقيل علي صدري, انا عايش هنا
و تملي مطاطي, خايف طول الوقت و من كل الناس, عارف انا نفسي ارفع راسي لو مرة بدون
ما اخاف من قلم يجي علي وشئ يقولي وطي
تاني, مش عاوز اعيش خول وسط مخصيين", حاول ان يعيده عن تلك الطريق لكنه فشل,
كان حسين قد قرر الطريق و لم يعد جدي معه أي شئ.
ظل يكرر تلك الكلمات علي مسامعه لفترة طويله من حياته, ان هذا الجحيم خلق فقط
لاصحاب الاحلام, من صدقوا الشعراء, من امنوا بالانسانيه و الانسان, من يؤمن
بالعالم الاشتراكى و حقوق البسطاء في الحياه.
البسطاء الذين تركوه ليموت هنا و يتعفن, ليستمروا في حياتهم, لقد
اضاعوا كل شئ و تركوا الدماء تضيع سدي.
صدق صديقه المتشكك حين قال ان الرهان
دوما علي ذاكرة البسطاء ينجح, لقد فاعلها النظام مرة و سيكررها الاف المرات.
لم تعد جملة المجد للمجهول, تطرب
الاذان صارت قديمة و مهمله فليموت المجهول المغفل لنحيا نحن, البسطاء ليسوا الا الذراع
الاقوي للنظام لارغام بعضهم البعض علي الخنوع.
الحقيقه كانت قاسيه و مؤلمه لكنها
الحقيقه التى جعلته يستطيع ان يحيا هناك و فى الخارج , جعلته غير قابل للتدمر اقوى
من ذى قبل, وصنف بعد ذلك بين الناس خلسه بالرجل الذى لا يقهر.
علم حقيقة و معني كلمة المصلحه, علم كيف يدير
الادوار و ينتقل بينها بكل خفيه دون ان يلاحظه احد, يستطيع ان يتبدل من شخص الي
اخر ليحقق مصلحته فقط لا يهتم باي شئ اخر مهما كان, حتي و ان كانت مصلحته تعني
السير علي دماء الاخرين..
كانت
المصلحه هى كلمة السر التي فتحت كل الابواب المغلقه امامه, كانت اللعبة سهله لاتكن
احمق افعل ما تستطيع عمله لا تقحم نفسك فى المشاكل, انت لست بطل او اصحاب رسالة.
فقط وسيط دورك ان تجمع بين الاطراف,
عندها تحصل على الامتيازات, كن وسيط لتربح من الجميع, لا تكن احمق لتظهر بمظهر
البطل فالابطال دائما ما يقتلون ليحيا الاشرار, كانت هذه الافكار المقدسه التى
جعلته قادر على الحياه.
فى اواخر السنه الثانيه التى امضها في
الواحه, صار الاسوانى صاحب جسد ضعيف هزيل, انتشرت الاحديث و لم يعرف احد ماذا اصاب
الاسوانى, الجميع يعلم انها النهايه, القانون هنا لا يسمح بالمغادره, هنا عالم لا
يسمح لك ان تغادره سيراً على الاقدام.
الرحيل قادم, رياح التغير قادمة, تتسارع الخطوات, تتبدل النفوس, السلطة تختبر
الناس, الصحراء تبدل الشخصيات, الملك عما قريب سيذوق السم, ليحل محله من دس لهُ
السم, ليصعد و يملك ثم يهرم ليرغم بعد ذلك
علي تناول ذات السم.
عما قريب سيصبح الاسوانى مجرد ذكرة و
اسطورة بين السجناء و سيتم التخلص منه فى اقرب فرصه, صار نائبه عباس هو من يتولى
زمام الامور, لقد تقلصت صلاحياته, السن و الهرم يقلص الانسان الى الا شئ, عديم
الجدوى, عديم النفع, يسهل عندها التخلص منه بدون ان يجد احد العذر لبقائه.
عرف مراد الاخبار, سيدوس السم
للاسواني في الطعام, عندها استطاع التقرب و اخباره بالامرو انقذ مراد الاسواني,
اعجب بيه الاسواني, حينها علم أن مصيرهم مرتبط ببضعهم البعض.
لن يغادر الاسوانى الواحه منفرداً, لن يقوى على
الطريق, و لن يستطيع ان يحيا مراد هنا اكثر من ذلك, لو استمر سجنه سوف ينهى عذابه
بالانتحار.
كان الاسوانى احد المغضوب عليهم من
الحزب الحاكم, و لكنهم لم يستطيعو القضاء عليه لذلك نفى الى الواحه, كان يمتلك
الكثير قبل القدوم الى الواحه, امتلك السلطه و المال, كان الاقرب للسلطه من
الجميع, لذلك دارت المنواشات و شن البعض حمله ضده ليبتعد, هكذا قدم الى الواحه, و
ظل فيها حتى اوشك علي الهرم, حينها علم ان لابد من احد يستطيع ان يتحرك معه, احد
مثل مراد, لقد قراء سجله, عرف كيف يفكر ؟ و متي يفكر ؟ لم يصبح مراد شبحاً تماماً
هنا, امتلك يوماً روح ثائره و ظلت تلك الروح موجوده تحت عذاب الواحه, لذلك علمه كل
ما يعرفه عن السياسه الحقيقه , كيف يستطيع الوصول الى السلطه و كيف تمتلك مقومات
الوصول بدون ان يمتلك احد عنقك .
السياسه التى لطالما رفضها مراد كانت
هى الحقيقه الوحيده في هذا العالم الزائف, السياسه هي انعكاس للواقع, فاذا كان
الواقع قاسي, تتبعه كذلك السياسه, لذا افاق مراد و علم انه لا احد يبحث عن حق البسطاء, الكل يبحث عن مجده
الخاص.
اصبحا صديقين فى مده قصيره , حتى جاءت اللحظه الاهم فى حيات الاثنين, وضع الاسواني
الخطة و توصل مع كافة الاطراف, الظروف مهيئة للهروب, لكنه لن يهرب منفرداً, معاً
يمكنهم النجاه من هذا الجحيم.
نفذنا خطته و استطعوا الهروب و
النجاه, لم يلاحظ احد هروبهم , كان الاسوانى يعلم كل شئ عن موقع الواحة, و استطاع
بما بقي لهُ من نفوذ في تزيف موته, و موت مراد, فرح عباس, الان اصبح الرئيس الفعلي
للواحه, فور الانتهاء من الدفن, قام بعض المخلصين للاسواني, بمساعدته و مده بعربة
و طعام و ماء للرحلة, لم يصدق مراد نفسه حين خطت العربة علي اسفلت العاصمة, لم
تتبدل العاصمة عما ذي قبل, كل الاشياء ظلت كما هي, لا جديد يذكر, دهنت بعض الاماكن
كا دليل علي التطوير.
ذهبوا الي احدي شقق الاسواني, استطاع
الاسواني بالاعتماد علي دائرة معارفه التي ظلت قوية في الظل بتزييف شخصية مراد,
ليولد من جديد, و يبدأ يشق طريقة في عالم السياسه و من خلفه الاسواني يتحكم في كل
شئ في الاخفاء.
وجد مراد ان الامور لم تتغير في
الحياه السياسه منذ اعتقاله كل ما حدث هو اخماد بشارات الثوره التى شارك فيها, و
تناست الناس كل ما حدث و كإن لم تحدث ثوره هنا, و كأن هؤلاء الشباب لم يفقدو اروحهم او اطرفهم من اجل حياه افضل
للجميع, عندها تذكر طه فادمعت عينه بدون قصد, ثم صدق من قال ان المجتمع قادر علي
نسيان كل شئ ليفوز باستقرار وهمي, فاكتسي وجهه بابتسامه ساخره.
مرت سنه على النجاه من الواحه استطاع
فيها الاسوانى ان يصنع إنسان جديد من مراد, كَانوا شركين فى كل شئ , حتى اتت
الفرصه لهم الساحه فارغه من الاحزاب و البسطاء قد فاض كيلهم من اليسار و اليمين,
حينها سارعوا فى تشكيل حزب سياسى, امكانهم بفضل ذكاء الاسوانى تشكيل الحزب و
الاتيان بمن يستطيع الاداره.
استطاعوا جذب الكثير من الشباب
المتحمس, قاموا بتدربيهم جيدا و تاهيلهم للعمل السياسى الحقيقى كنا يعلمان جيدا انه لابد ان يكون لديهم سياسين
حقيقين كيمكنهم المنافسه.
استخدم فى الدعايه عبارات رنانه تتحدث
عن التغير و الديمقراطيه و العداله, و استخدم بشكل ما ديمقراطيه حقيقة بداخل
الحزب, حتى تمكنو من صناعةحزب سياسى حقيقى نوعاً ما.
كنايعرفان كيف تدار اللعبه و تم
الالتزام بقواعدها, إن لم يكن لك قواعد او جماهير عليك بالذهاب الى الكفور و
النجوع و البدايه من المحليات حتى تصل الى كرسى الرئيس.
كان مراد فى نظر الفقراء الفارس الذى
لا يخشى شئ, كل ما يفعله من اجلهم و من اجل حياه افضل لهم, كان فارسهم فى العصور
المظلمه جسد امامهم اسطوره روبن هود, و استطاع ان يعيد سيرة بنى الهلالى و ينتشلهم
من تلك الظلمه التى تملكتهم و استطاع ان يزيح تلك الغمامه التى منعت عنهم نور
الشمس, و ظل هو رجل النظام ضد المعارضه من يعمل فى الخفاء ليفتت المعارضه الحقيقه
ولا يبقى سوى المعارضه الهاشه التى لا تفعل سوى السباب امام الكاميرات.
لم يكن يعيبه انه قد جاءبين اغبياء
يتنزعون على الفتات الملقى اليهم من السلطه, لم يريد ان يكون مثلهم, هم لم يدفعوا
ثماً للحياه, بعكسه فقد دفع ثمناً باهظاً, فقد رأي صديقه يقتل و هو عاجز عن انقذه,
راي دمائه تسيل, و الجميع يقف في صمت و
ترقب لصعود روحه و الحديث عنه بلقبه الجديد.
الان يقف مراد امام الجماهير بعد
سنوات طويله من المكائد و الحروب ضد الاحزاب والوساطه بين السلطه والمعارضه الرخوه,
ليعلن عن ترشحه لمنصب رئيس الجمهورية, ليحصل على ما هو حقه و اهل لهُ.
25/9/2011
كريم_فوزي#
#قصة_قصيرة
المنشد#
#امريكا
#افغانستان
#طالبان
#مصر
#ليبيا



Comments
Post a Comment