لماذا نلؤم الضحيه و نبرأ الجاني ؟


 (1)

في حالة من الإنكار غير المبرر أصبح لوم الضحية وتبرير كافة أنواع العنف والبربرية، ضربًا من ضروب البطولة، التي صار لها متطوعون كثر! عندما يعذب أحد لا نتساءل لماذا عذب ولماذا تهان كرامته؟ أو لماذا يعذب أي شخص من الأساس؟ وكل من تسول له نفسه أن يشير إلى أن التعذيب جرم وجريمة، نجد جيشًا من المبررين المجهزين لتبرير أي فعل وأي جرم ولوم الضحية بدون سبب.

في ظل هذا الهوس المجتمعي نجد من يبرر جرمًا حيوانيًا مثل التحرش، فالبعض لا يرى في التحرش جريمة. المجتمع يبارك التحرش بلوم الفتاة، والقول بأنها السبب في فعل حيوان بحت، البعض يتحدث عن ملابس الفتاة كونها السبب في التحرش، فالفتاة في نظرهم شغلها الشاغل هو إغواء الرجل!

وفي اعتقادي أن التحرش ليس شهوة جنسية فقط، فالتحرش أمر معقد أكثر من ذلك، فالتحرش يمكن القول إنه شهوة للتملك وللسيطرة وانتزاع حق ليس بحقك، ودليل على القهر للرجل قبل الفتاة. التحرش رغبة دفينة بداخلنا، فعندما يتملكنا الخوف والضعف والشعور بالدونية والانهزام والقهر، فعند تراكم تلك الأمور نجد أن أقل ما تفرزه من أشكال السخط يكون فعلًا مثل التحرش.

التحرش كالتطرف، فهما نتاج فساد وشعور بالدونية، فلا نجد في مجتمع متحضر قائم على العدالة والديمقراطية، من يبرر العنف أو الأفعال البربرية كالتحرش.

يلجأ البعض في تبرير التحرش إلى الاعتقاد السائد والمترسخ بأن النساء كائنات أدنى من الرجل ”الراجل مابيعبهوش غير جيبه”، حين يمارس الرجل الجنس لا يوصف بالعاهر، هذا وصف خصص للنساء فقط!

فالثقافة المصرية الشعبية عمقت ذلك الشعور بأن المرأة كائن ثانوي، مهمش، ليس لها حقوق، فعند الحديث عن أحد حقوقها مثل الزواج أصبح يتحول الأمر من حق إلى عبودية، الفتاة المقهورة لا تحاول أن تبحث عن شخص للحياة معه، بالعكس هى تحاول البحث عن جحيم أخف مما تحيا فيه، والبعض يرى في الفتاة سلعة حين تأتيه الفرصة يقايضها ببعض المال تحت مسمى الزواج، وهذا أبعد ما يكون عن الزواج، هي عبودية جديدة وتجارة جنسية مقننة باسم الزواج، تتم تحت عين وأيدي الدولة وفي فعلة غريبة تم تحديد تسعيرة لتلك التجارة!

الفتاه للأسف في نظر البعض ليس لها حق في التعليم أو في الحياه عمومًا، فهي كائن خلق للغواية وإثارة شهوة الرجل، والكثير يردد مثلًا عقيمًا لم ينتج لنا سوى عقولًا عقيمة ”الست ملهاش غير بيت جوزها” هذا المثل يلخص فظاعة الرؤية واختزال طاقة كبيرة وإهدارها، وتصوير أن الزوجة مجرد خادمة فيه، ليست شريكة في الحياة مع زوجها والمسؤول الأول عن تربية الأطفال، ألم يتساءلو إذا كان مصدر التنشئه جاهل ومُغيب، فكيف إذَا الحال بالأبناء!

(2)

لكن في حالة إذا أردنا أن نتبين أسباب هذا الهوس بلوم الضحية وبتهميش المرأة وتبرير كافة أنواع الانتهاكات الحادثة لكل من يحاول أن يخرج عن مسار الفكر التقليدي ويتحدث عن هذه الأفعال البربرية بأسمائها، نجد الكثير من المنابر تتوجه إليه بالتبرير والتخوين والسب، فتقتل أي محاولة إصلاح جادة وتجعل من يريد الإصلاح خائفًا ومرعوبًا، وكأنه المجرم.

المشكلة التي تواجهنا في التبرير، تكمن في بناء المجتمع ومعتقداته، الثقافة التي يتم التعامل معاها وكأنها من المقدسات التي لا يجب المساس بها.

و يمكن أيضا إضافة خوف المجتمع من مواجهة الحقيقة، فالجمعيات التي عاشت فترة تحت حكم استبدادي تهوى الأكاذيب التي تظل تتردد على مسامعهم، ويفضل أن يحيا بداخلها، عن أن يواجه الحقائق الموجعة ويحاولون البحث بداخلها ومحاولة إصلاحها.

(3)

في حادثه أيضا غريبة لا تحدث سوى في المناطق شديدة الفقر في الأرياف حيث يضاجع بعض الشباب الحيوانات وتلك الحقيقة قد أبرزها الراحل يوسف شاهين في فيلم ”الأرض” حين كان دياب يضاجع بهيمتهم، جاء شابان بفعل مماثل بهتك العضو التناسلى لكلبة.

والسؤال الذي يجب طرحهُ هل أغوتهم الكلبة؟ أم كانت ملابسها مثيرة لشهوتهم؟ والإجابة، لا لم يحدث أي شيء من تلك الحجج والتبريرات، لكنها شهوة القوة والسيطرة والقهر. فالإنسان المقهور يظل يمارس القهر بالتتابع، المدير المقهور يمارس القهر على موظفيه، وتتم سلسلة طويلة من القهر، فيبحث أحد عن السبيل للتنفيس فلا نجد نتاجًا لهذا الكبت سوى في التحرش وهذا أمر غير مقبول.

لذا علينا أن نكون محايدين تجاه الحقيقة لا أن نبرر الأخطاء ونحاول أن نلتف حولها، الآن الإصلاح لا يأتي إلا بالمواجهة الحقيقية. وأول هذا الإصلاح لابد من تكسير الاعتقاد بأننا نحيا في مجتمع ملائكي خال من الدنس والعفن، فمجتمع كمجتمعنا يمتلك من الفقر والجهل والكبت ما يخرج لنا كافة أنواع التطرف الفكري والفعلي.

(4)

لكن تكمن المشكلة الأكبر بأن هناك من يبارك تلك الأمور ويوظفها لصالحه، لذلك تضيع هباء أي محاولة تصب في مصلحة المجتمع وتقدمه.

عندما نتحدث عن نصف المجتمع، لابد من أن نعيد بلورة الرؤية في فعل شيء مفيد للمرأة المصرية التي يقع أغلبها تحت خط الفقر.

تلك المرأة وهذا الفتاة التي تحيا الآن أصعب الأوقات في ظل هذا الغلاء، فأغلب من يقع عليهم جرم التحرش فتيات من الطبقة الفقيرة، فلا يوجد ما يسمى بالطبقة المتوسطة لقد تآكلت، لذا فعندما نتحدث عن النساء التي تحارب من أجل تخفيض سعر الخضار جنيهًا أو نصف جنيه.

علينا أن نعمل جاهدين على تحسين حالاتهم الاقتصادية، توفير أعمال مناسبة لهم، تحررهم من سلطة المال، وأن نكف عن لومهم، والتصريح بحقيقة أنهم الضحية، وتوجيه أصابع الاتهام إلى مكانها الصحيح، وطرح السؤال الجدير بالبحث عن جوابه لماذا يتم التحرش بهم ولومهم على فعل الغير؟

بدل التفرغ لمناقشة مواضيع هزيله، لا تفيد سوى رغبة البعض في إشباع حاجتهم للتملق لا غير.

#التحرش

#المرأة

#ظاهره_التحرش_الجنسي

#حقوق_المرأة

#كريم_فوزي

#مصر_لبنان

#ثوري

Comments

Popular Posts