موصلات
كانت
الساعة تقترب من الرابعة ,ظللت أنتظر أكثر من نصف ساعه, لم تمر موصله واحده ؟ ياه
الله لماذا كل هذا العناء ؟ لماذا عندما اريد أن اصل في ميعادي اشعر أنني ابذل ما
فوق طاقتي قط لالتزم بشئ صغير مثل هذا ؟
لماذا كتب عليٍّ التأخير دوماً حتي بدون قصد ؟!
انتظرت ربع ساعه اخرى و لم تمر موصله واحده,
حتي اتت سياره صغيره..اخيراً سأبدا رحلتي التعسه لمقابله العمل تلك.. من زحام
داخلي .. لزحام خارجي و طريق خانق بكل ما يحمله من اسئله بداخلنا, ربما من فوائد
زحام الطريق, انه يشغلنا عن زحمنا النفسي,
اعتقد اننا عما قريب سننقرض كالديناصورات, و نحن نحاول الوصول لاشغلنا, و
ربما لن نصل في النهاية حتي.
جلست بجانب رجلين في الخلف, احدهم كان كفيف, و
الاخر شاب في الثلاثين, و في الامامم جلست أمراتين, جلست بجانب الشباك و حين حاولت
فتحه, كان ملتحم بالسيارة, فاكتفيت بالنظر من خلال الزجاج الي الطريق, تحركت
السيارة ببطي, و كان كلما مر الوقت كان شعوري بالاختناق يزداد لا اعرف سبب لذلك,
دوماً اشعر بالاختناق اذا لم اكن جالس بجانب الشباك و الهواء يصطدم بوجهي, عاده
غبيه اصبحت امر ضروري لكي استطيع البقاء في تلك العلبة الحديدية المسماه بالسياره.
قطعنا نصف المسافه في يسر, لم يكن شارع الكورنيش
مزدحم, حتي رن هاتف سيدة من الجالستين امامي, هتفت المرأة بصوت مفزوع ( بجد), افقت
من غيبتي و نظرت الي السيده فاوجدت ان ملامحها بدأت في التغير, بدأ الحزن يكسو
وجهها كانه جيش من النمل يغير ملامحها بكل بطي و هدوء, ساد الصمت و الترقب, الجميع
منشغل بما سوف يقال, صمتت السيده قليلاً, حاولت التماسك, ثم انفجرت, ( مات جمعه
ياختي.. مات جمعه), اصبح شبح الموت يرفرف فوقنا.
حاولت المرأة الجالسه بجانبها أن تجعلها تهدأ,
فاخبرتها بان تكف عن الصراخ فازادت الطين بالة, صارت السيده تلطم علي خديها بكل ما
اُتيت من قوة, و ظلت تردد في صوت يملائه النحيب ( مات جمعه..... هي اللي موتته..
مات جمعه ياختي), ثم نزعت خمارها, دخلت في حاله من هستيريا الحزن.
كنت جالس و لا اعرف ماذا افعل, ظننت في ذلك
الوقت انني مجرد شبح او دخان او انني مجرد متفرج في صاله سنيما, ما يحدث لم اعتاده
الا في موافق معينه و ظلت محفوره بداخل ذاكرتي, و ظللت احاول النسيان و الهروب
منها
لماذا
تأتني الان, لقد انشغلت بالحياه و باللحظة حتي اهرب من شبح الموت, ظننت انني بذلك
اتغلب علي الموت في انني انزلق اكثر الي بئر الشهوات و المتعه, اذا كان الموت قادم
فلابد ليٍ من الاستمتاع الي اخر رمق لي في هذه الدنيا, لكني حرمت نفسي من الحب, من
الامتلاك, لكل شئ نهاية فلا معني من الامتلاك, من الحب, لقد اخطا الراحل احمد خالد
توفيق, حين ذكر علي لسان رفعت اسماعيل .
" للأبد ؟
- ماذا ؟
- ستظل تحبنى للأبد ؟
- حتى تحترق النجوم وتفنى العوالم
حتى اشيخ فتتآكل ذكرياتى
حتى يعجز لسانى عن لفظ اسمك
حتى ينبض قلبى للمره الاخيره فقط عند ذلك
ربما
اتوقف ربما.."
انا
لا اعرف كيف يمكني فعل هذا و لا اعرف من تستحق ان احبها من الاساس لتظل معلقه في
قلبي للابد, انا ظللت احيا بمنطق امل دنقل "قلت فليكن الحب فى الأرض ، لكنه
لم يكن أصبح الحب ملكاً لمن يملكون الثمن".
انا لم املك الثمن في الماضي و حتي الان و
الثمن لم يكن المال فقط, بكل كان المال هو اقل الاثمان التي يمكن ان تدفع, بل
الثمن الحقيقي الذي اعرفه هو التقيد, ان تعرف جيدا ان من تحبهُ ليس الافضل في شئ,
ليس الاجمل, ليس الاحسن, بل انك تراه هكذا فقط لانك اخترت ان يشاركك حياتك, و
احببت انه فقط من يشاركك هذه الحياه, انا لم اجد و لا اعتقد انني ساجد, ساظل احاول
الهروب من الموت و يسظل الموت يلاحقني في كل مكان !
ذكرتني تلك الحاله من حالات الجنائز برحيل
جدي, كنت حينها صغيراً لم اتعدي العشر سنوات, لم اكن علي عهد بالموت, لم يزرنا الا
في ذلك اليوم, كان الجميع حزين و صمتين بلا سبب, قدمت من المدرسه و بدلت ملابسي,
ثم صاعدت الي شقة جدي.
كان ابي بالصاله, سلم عليٍ ثم ذهبت الي رؤيه
جدي كعادتي, فكان فاقد القوي, هزيل الجسد, نظر الي بعين عاجزه عن تفحص ملامحي, ثم
وضع يده علي خدي, و حاول الحديث لكن كلماته كانت ضعيفه و لم اتبين منها شئ,
اخرجتني عمتي من الغرفه, و في المساء, جاء صوت عمتي مماثل لصوت هذه السيده, وجدت
حينها ابي يركض تجاه شقت جدي, فركضت خلفه.
ظللت اراقب جسد جدي الممد علي السرير و ظل
يحاول ان ينعشه و يخبر عمتي بانها مجرد ( كرشة نفس) حتي جاء عمي الكبير و اخرج ابي
من حالته و قال في صوت حازم (ابوك مات), كانت الكلمه جديده عليٍ, كنت اعرف ان هناك
حياه و موت لكني لم انظر اليه لم اتعارف عليه, كان مجرد مجهول, في تلك اللحظات
رايته و عرفت الموت, و لكني لم استطيع ان احرك جسدي شعرت في ذلك اليوم بانني قد
شللت.
و استمرت تلك الحاله من التخشب كما قال لي
صديقي ممدوح, الذي حاول اكثر من مرة ان يجعلني اذهب الي طبيب نفسي, لاعرف ماذا
يصبني حين يمر الموت من جانبي, لكنني لم اريد الذهاب, لذا ذهب هو و اخبرني بان ما
يحدث لي هو نتيجة صدمة موت جدي و انا في الصغر.
لذا لم استطيع ان تتماسك و لم تشعر بشئ سوي الهلع, حاولت ان انظم
انفاسي, و بعد عدت محاولات استطعت تحقيق ذلك ثم وجدتني اشاهد ما يحدث في صمت,
كانني اشاهد فيلم سنيمائي, كنت خارج الاحداث بشكل كبير, توقف السائق و حاول كل من في العربه تهداتها و فشل
الجميع, ظل يحاول الجميع ان يهدأ السيده بأستثنائي.
صارت العربة بشكل ما في مرسم جنائزي , انه
الوداع المعهودة, العويل, لطم الوجوه, البكاء, لم تتوقف المرأة, أستمرت المرأة فى
دق سقف السيارة و البكاء بشكل هستيرى. أستمر هذا الوضع الهستيري, ربع ساعه, منذ
معرفت الخبر حتي اللحظة التي هدئت فيها, ليسود الصمت, لا احد يتكلم الجميع ينظر
امامه و صامت.
5/11/2013
#كريم_فوزي



Comments
Post a Comment