انتظار
نظر إلى المرآة وأخبر نفسه أنه خائف!
وإذن ماذا؟ فليخف...
لا، هو ليس خائفاً بشكل كامل، هو حزين ويشعر بالخزي ربما، هذا كل ما في الأمر، كما قال درويش: «هي لا تحبُّكَ أَنتَ، يعجبُها مجازُكَ أَنتَ شاعرُها، وهذا كُلُّ ما في الأَمرِ». كرر السؤال مرة أخرى: هل أنت خائف؟! المرآة وتلك الانعكاسات الباهتة التي تحيط بحياته؛ أيكره ذاته أم يكره ما يعرفه عن نفسه ولا يستطيع أن يتخلص منه؟
تجول في شقته، كانت أصوات ارتطام الشباك تزعجه، يحتاج إلى أن يُقفل بشكل جيد، كذلك احتاج إلى إصلاح كرسي الطاولة الذي كان يصدر أزيزاً كلما جلس عليه. لقد زاد وزنه عن السابق، لكنه لم يهتم. سار من غرفته إلى الحمام، مرة أخرى سيواجه نفسه؛ غسل وجهه مسرعاً محاولاً ألا يطيل النظر في المرآة، ثم أعدَّ قهوته وجلس في الشرفة ينظر إلى هاتفه. كان يشعر بوحشة مفرطة لأنه وحيد؛ تباً لمن خدعنا بأن المحادثات الافتراضية هي تواصل حقيقي! مشاعر جوفاء فارغة لا تبيّن أي شعور صادق، كلمات مرسلة خالية من الروح.
أرسل البعض إليه رسائل، لكنه شعر بعدم الرغبة في الرد أو الحديث. الجميع على وسائل التواصل الاجتماعي في قمة السعادة أو في قمة الحزن، هناك أحدٌ دوماً يصرخ في وجوهنا بشيء ما، وقد ملّ الصراخ؛ يريد الهدوء، السكينة، فلماذا يهتم بتلك الصرخات غير المجدية؟ لكن أكثر شيء كان يجعله يبتسم هو هؤلاء البشر الذين يدعون الله على وسائل التواصل الاجتماعي... متى أصبحت هذه الوسائل مرآة لأنفسنا؟!
لقد أضاع ساعتين منذ أن استيقظ، نظر إلى ساعته فاستبان أن موعده بعد ساعتين، لم يكن يحب أن يتأخر، وإن كان من طبعه سابقاً أن يصل متأخراً؛ فلم يكن يعرف معنى للالتزام بشكل كامل، مما أثّر على علاقته وعمله، لكننا نتعلم دوماً بالطرق الصعبة.
تذكر أنه جهز كل التفاصيل: كوى بدلته وحلق ذقنه. أشعل سيجارته الأولى ودخنها في صمت، وكان الشارع هادئاً من المارّة. أنهى فنجانه الأول فذهب ليُعيد الثاني، هذه هي عادته التي كانت تعرفها حق المعرفة؛ فور انتهاء فنجانه الأول كانت تعدّ له الآخر باللبن والقرنفل كما يحب أن يشرب قهوته. ليلى... ما أقسى الأيام وما أشد الوحدة بدونكِ!
أحبها كما لم يحب أحداً، كان يحب أن ينظر إليها، ينظر إلى عينيها وشفتيها كيف تتحركان، يحب أن يراها في كل الأوقات وأن يسمع صوتها في كل حين، لكن لا شيء يبقى على حاله؛ هناك لقاء وهناك فراق. أنهى قهوته، وأعدَّ إفطاره، واستحمَّ ثم ارتدى ملابسه وشرع في النزول من الشقة. كان ينظر إلى المرآة للمرة الثالثة في اليوم نفسه، حينها رأى تلك الشعيرات البيضاء التي غزت رأسه فلم يتبقَّ من شعره الأسود إلا القليل، ارتدى بدلته ولم يهتم، «كل شيء سيمر»، هكذا أخبر نفسه.
نزل إلى الشارع، كان يعرف الطريق عن ظهر قلب، سيستغرق الطريق ساعة، لذا لم يحب أن يقود سيارته فطلب سيارة أجرة. سارت به السيارة ولم يتفوه بكلمة، كان يتذكرها... ليلى، ما أقسى الحياة من دون أن نُحِب! كيف أضعتُكِ وأضعتُ نفسي؟ مرت السنوات مسرعة، ولم يتبقَّ من ذكراكِ سوى الوحدة والألم.
الحياة عبارة عن لحظات من السعادة لكن في أساسها يكمن الألم؛ ألمٌ لا نستطيع التخلص منه مهما حاولنا. حاول فيما مضى أن يلجأ إلى الكحول ليتغلب على ألمه، لكنه كان يشعر به بشكل أكبر، وكانت خيالاته ترتسم بوضوح أشد. حاول دوماً أن يفهم لماذا رحلت؟ أن يبرر هذا الرحيل، أن يشعر بأن الحياة ستمضي، لكنه فشل. كان يعرف أنه يخاف كلما نظر إليها، كانت تخبره أنها شخص لا يعرف كيف يخاف، لكنه كان يخاف أن يخبرها أنه يعرف الخوف؛ يعرف أنه يخاف أن يفتقدها لكنه كان يصمت، لم يكن من الأشخاص الذين يجيدون التعبير عن مشاعرهم فكان يلوذ بالصمت.
— الحب ليس كل شيء؟ (سأل نفسه). — بالتأكيد، أظن ذلك. (عاد ليكرر إجابته ليتأكد منها).
أشعل سيجارته ونظر إلى شاشة هاتفه، هناك ألمٌ يشعر به ينبعث من مكان بعيد بداخله. لا يعلم لماذا يشعر بالألم؟ أو لماذا يشعر من الأساس؟ الفقدان الذي يغمره، وشعوره بأنه تركها في منتصف الطريق يجعله يُجَنّ، أيُّ جنون ساقه إلى هذا الفعل؟ هناك لحظة تنير في داخلنا ولحظة تُظلمنا. لم يخنها منذ رحلت، وهي تعلم أن الخيانة ليست من طباعه.
كانت تغمره السعادة عند رؤيتها، أما الآن فكلما التقيا يتذكر أنها لم تعد له، وعليه أن يتقبل هذا؛ حبيبة العمر لم تعد له. مَن الآن سيشاركه أحلامه؟ مَن يشاركه الصباح والأحاديث العبثية التي كان يتفوه بها؟ كان يخبرها عن الحياة وآرائه فيها، فتخبره أنه يتفوه بفلسفة فارغة، فكان يجيبها: وإن تكن فارغة، لكنها فلسفة! وهو الذي لم يدرس الفلسفة بل درس العلوم الطبيعية، لكنه أحب الفلسفة أكثر. لقد بدأت معها ولم تنتهِ، بل خلّفت بداخله عالماً من الركام.
كلما ذهب إلى جوارها كان يتذكر تلك الليلة... كانت ممددة بين ذراعيه، تتنفس بصعوبة، بينما كان عاجزاً عن فعل أي شيء سوى ترديد اسمها بخوف. حينها فقط فهم أنه لم يكن يخاف الموت يوماً، كان يخاف الفقد، ويخاف أكثر من ذلك... أن تستمر الحياة بعده وكأن شيئاً لم يحدث.
توقف السائق أمام المقبرة. رفع رأسه ببطء ونظر عبر الزجاج. كانت السماء معتمة، والهواء بارداً على غير المعتاد. دفع الأجرة وترجل من السيارة، ثم سار بخطوات ثقيلة حتى وصل إلى قبرها. وقف صامتاً. لا زهور، لا كلمات، فقط ذلك الفراغ الهائل الذي يبتلع روحه منذ رحيلها، وتلك الدموع الحبيسة بداخله.



Comments
Post a Comment